وليد الغمري يكتب: رفعت الأقلام.. وجفّ صوت الوطن!
لكل أمة ضميرها الجمعي، ذلك الذي تشكله النخب "الحقيقية" وليست "النخب المزيفة" هؤلاء الذين ينبتون وسط مثقفيها في كل المجالات، ولطالما كان لقاهرة المعز نصيب وفير من صناعة نخبة مصر عبر عصرها الحديث، فكانت مقاهي القاهرة وشوارعها العتيقة، أرضاً خصبة نبت فيها خيرة مبدعي هذه الأمة وحاملي إرثها الثقافي والتاريخي.. ووسط هذه النخب التي صنعتها الأحداث التاريخية الكبرى، كان صحفيو مصر يشكلون عقل الضمير الجمعي المصري، وصوت وأنين شوارعها حين تئن، وصوت زئيرها حين تزأر، ونبض نجاحها في لحظات النصر.
كنا ولا زلنا نسير وفق معادلة أننا "جزء من جسد وطني نمرض معه حين يمرض، ونتعافى معه حين يتعافى"، وظلت هذه المعادلة منذ أن صدرت أول مطبوعة صحفية مصرية عام 1828 حتى قامت ثورة يناير بما لها وبما عليها، فانهارت هذه المعادلة انهياراً مفزعاً.. فبعد 30 يونيو بدأت مصر رحلة مختلفة في تاريخها الحديث، وشهراً تلو الشهر وعاماً تلو الآخر تعافى الجسد المنهك، وبدأت مصر تبشر لأول مرة في تاريخها الحديث بأحلام الإمبراطورية، والدولة العظمى في الشرق الأوسط، كان تبشيراً حقيقياً بـ"الجمهورية الجديدة"..
الغريب أن إرادة ما من نوع ما حملت على عاتقها أن يحدث ذلك في نفس التوقيت وهذا الوطن "مقطوع أحباله الصوتية" فيبدو أن هناك من ظن لأول مرة في التاريخ المصري أن الصحافة الوطنية هي عدو لنهضة الأمة!، فحمل على عاتقه أن لا يكون في مصر "صحافة حقيقية" وتم رسم نفق معتم زج فيه بكل الأقلام المصرية دون تفرقة، واحتفظنا بما يمكن تصنيفه على أنه شبه إعلام وشبه صحافة وشبه مؤسسات.. جميعها أشياء شبيهة بأشياء حقيقية، والحقيقة المطلقة أنه لا شيء حقيقي مما هو حادث الآن.
هل تعلمون ماذا حدث في 13 عاماً مضت؟! سأقولها دون مواربة أو خوف.. لقد خلقنا جيلاً جديداً من "أشباه الصحفيين" فأشباه المدارس الصحفية القائمة.. خرجت لنا ضجيجاً بلا صوت، وأقلاماً بلا حبر.. فهل تعلمون ماذا جنينا من ذلك؟! جنينا سلطات مطلقة بلا أي رقابة، جهازاً إدارياً كاملاً لا يخشى أن يراه أحد حين يخطئ، ومنظومة فساد شديدة "البجاحة" وبرلمانيين بلا أعين ولا صوت، أنتجنا شارعاً لا يحترم الكلمة، ومنصات خارجية فتحت أبوابها لضجيج تم تجيشه جميعه ضد الوطن.
أنتم لم تستوعبوا حجم ما حدث.. فقبل يناير 2011 كان حين يظلم أي مواطن في مصر يقف في الشارع هاتفاً "الصحافة فين" كانت الصحافة المصرية صوت الشعب للنظام الحاكم.. وصوت النظام للأمة، بل كنا صوت مصر للعرب وللعالم، وكان صوت الرئيس عبد الناصر عبر إذاعة القاهرة يشعل نيران الغضب من الخليج للمحيط، ولا أتفهم كيف لنا بعد تجربة إعلام الريادة أن يصبح لدينا تجربة مصر بلا إعلام.
جل ما يعنيني الآن أنه تم قطع دابر جيل كامل وربما أجيال من حناجر مصر الحقيقية، وحين خرجت المبادرة الرئاسية بعد 13 عاماً تطالب بوضع خارطة مستقبل للإعلام المصري، كانت بمثابة تأكيد صريح أن على رأس هرم السلطة في مصر رئيساً يدرك حجم المشكلة التي وصلنا إليها.. وأن جمهورية جديدة لن يمكن أن تولد جمهورية "خرساء" ومنذ هذه المبادرة وحتى اليوم وقد مضت عليها الشهور التي تكفي لتصنع لدينا وجهة نظر تقول "أن لومي الفساد في مصر كمستفيد أول من إخراس صوت الوطن" قد نجح حتى الآن في وأد حلم الدولة الناطقة التي يسمعها العالم، والعبرة هنا في تأثيرك فيما تطرح أو تقول وليس العبرة بكثرة المنصات الإعلامية الزائفة التي لا يسمعها حتى القائمون عليها.. فما بالنا لو حاولنا أن يوصل صوتنا لخارج حدود الوطن..
هل تعرفون ماذا فعل "التيك توكر" وصحافة "اليوتيوب" وصحفيو "السوشيال ميديا" في شوارع مصر؟ هل تدركون معنى أن يدار العقل الجمعي للمصريين عبر منصات غير مصرية؟! هل تدركون معنى أن لا يكون هناك أي ميثاق شرف حقيقي للإعلام المصري؟ ومن فضلك عزيزي القارئ لا تحدثني عن أكواد تنظيم الإعلام في مصر، هي مجرد محاولات بائسة للحاق بالانفلات الإعلامي، فحين وسد الأمر لغير أهله، ضاع صوتنا ومات أهله جوعاً وكمداً!!
بمنتهى الصدق يحزنني تساؤلات زملائي صغار الصحفيين العبثية التي تتردد لمسامعي كل يوم.. ولا أستطيع الرد عليها.. هل تخيلت مدرس رياضيات يسأله طالب جامعي عن فائدة "جدول الضرب" في علم الرياضيات.. كيف يمكنه أن يجيب على طالب جامعي يسأله هذا السؤال؟ فلا يجد غير أن يقول له أنك تعلمت في كل مراحل تعليمك السابقة في "شبه مدارس" ومن المؤكد أنه يموت في اليوم آلاف المرات من الحسرة على جيل كامل، سوف يحمل ميكروفون وقلم هذه الأمة بعد سنوات..
إن الأمر لو تعلمون عظيم.. فالمعركة ليست بين صحفيي مصر المقهورين وبين مافيا فساد داخلية تريد إخراسهم، أو مسؤول حكومي عاجز ويخشاهم، الحكاية ضمير أمة وصوتها في لحظة دقيقة من عمرها.. الحكاية أن مصر التي نبنيها تستحق أن يكون لها درع وسيف يحمله جيش "الكلمة" فأمن الدول لا يقاس فقط بقوة شرطتها أو جيشها.. بل أمنها وسلمها الاجتماعي يقاس بقدرة أبنائها على أن يكون لهم صوت.
أفيقوا يرحمكم الله فالتاريخ لن يرحمنا جميعاً، وستمضي أيامنا بكل من فيها.. وسيأتي يوم يبحثون فيه عن ذاكرة مصر الوطنية، فيقلبون في أرشيف صحافة هذا العصر، فلن يجدوا غير أرشيف مهلهل.. لم يعطِ الحاكم حقه، ولم ينصف مواطناً مظلوماً، ولا عقلاً أبدع، وسيضيع تاريخنا لأننا بمنتهى الغباء تركنا غيرنا ليكتبه بديلاً عنا.. رفعت الأقلام.. وجفّ صوت الوطن.