بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

من «النيجاتيف» إلى الديجيتال.. حكاية أقدم مصوراتي في الإسكندرية: البحر بيحب الكاميرا

بلدنا اليوم

في قلب شواطئ الإسكندرية، وتحديدًا في منطقة سيدي بشر شرق المدينة، حيث تتداخل رائحة البحر مع أصوات الأمواج وضحكات المصطافين، يقف عم سعيد ممسكًا بالكاميرا القديمة، التي باتت بمثابة جزء من روحه لا مجرد أداة عمل فقد أمضى الرجل أكثر من نصف قرن بين الرمال والكورنيش، يوثق لحظات الفرح وذكريات العائلات بعدسته حتي أصبح واحدًا من أقدم المصورين على شواطئ عروس البحر ، و شاهدًا حيًا على زمن كان للتصوير فيه طقوس خاصة و خصوصية تختلف تمامًا عن عصر الهواتف المحمولة الحالي. 

52 عامًا خلف الكاميرا.. حكاية عشق بدأت من «النيجاتيف»

يروي عم سعيد، أقدم مصوراتي في الإسكندرية، رحلته الطويلة مع فن التصوير حيث أن بداية هذه المسيرة تعود إلى طفولته، عندما كان يعمل في تجفيف النيجاتيف القديم في أحد استوديوهات التصوير و من ثم، تحول شغفه التدريجي إلى مهنة أمتهنها طوال حياته لافتا أنه بدء التصوير في سن السابعة عشر، حيث كنت أستخدم كاميرا قديمة و متهالكة، لكنني كنت عازماً على تعلم فن التصوير و تحويله إلى حرفة وليس مجرد هواية. 

و أضاف أن لحظة التحول الفارقة في حياته حدثت عندما رآه مصور روسي محترف كان يزور الشاطئ باستمرار في أحد الأيام، قرر هذا المصور أن يهبه كاميرا روسية حديثة دون أي مقابل مادي وقد قال له: «اشتغل بها» ، وهذا هو الموقف الذي يعتبره بداية حقيقية لمسيرته المهنية في عالم التصوير. 

من الأبيض والأسود إلى الديجيتال .. «زمن الفن الجميل انتهى»

في حديثه، استعاد عم سعيد بحنين عميق ذكريات زمن التصوير القديم، معبرًا عن إعجابه بعصر الأبيض والأسود الذي اعتبره الأكثر جمالًا وإبداعًا مشيراً أن المهنة تعرضت لتغير جذري مع ظهور التكنولوجيا الحديثة، حيث قال: «أجمل العصور هو عصر التصوير بالأبيض و الأسود ، فقد كان يحتوي على إحساس وفن أكبر. أما الآن، فقد جعلت الهواتف المحمولة هذه المهنة تبدو شبه منقرضة». 

أشار إلى أنه عبر سنوات طويلة من عمله، قام بالتنقل بين مجموعة متنوعة من أنواع الكاميرات بدأ باستخدام الكاميرات الروسية، ثم انتقل لاستخدام الكاميرات الألمانية، وصولاً إلى الكاميرات الرقمية الحديثة مؤكداً أن روح الصورة التقليدية لا تزال تحمل طابعها المميز، بغض النظر عن التقدم الكبير الذي حققته التكنولوجيا في هذا المجال. 

«لن أتقاعد».. الكاميرا رفيقة العمر الأخيرة

واصل عم سعيد حديثه قائلاً إنه على الرغم من أنه قد بلغ من العمر 72 عامًا، فإنه لا يزال يحرص يوميًا على التوجه إلى الشاطئ حاملاً كاميرته كما أنه يرفض تمامًا فكرة التقاعد أو الابتعاد عن مهنته التي ارتبط بها على مدار حياته موضحاً بابتسامة تحمل في طياتها حنينا: «التصوير بالنسبة لي هو حياة كاملة، وليس مجرد عمل و سأستمر في العمل حتى آخر يوم في حياتي» . 

واضاف إنه لا يزال يحتفظ داخل منزله بمجموعة من الصور التي التقطها منذ عدة عقود. ويعتبر كل صورة من هذه الصور كذكرى فريدة تحكي قصة مختلفة لشخصيات ربما تغيرت حياتهم بشكل كامل مع مرور الزمن بينما بقيت هذه الصور محفوظة بعناية داخل أرشيفه الشخصي، تظل شاهدة على تلك اللحظات التي لا تُنسى. 

الأطفال أصدق الكادرات.. والبحر لا يفهمه إلا المحترفون

أكد أن أكثر اللقطات التي يحرص على توثيقها بعدسته تكون للأطفال، لما يتمتعون به من عفوية وتلقائية تنعكس بصدق أمام الكاميرا، موضحًا أن براءة الأطفال تمنح الصورة روحًا مختلفة يصعب تكرارها أو صناعتها مضيفاً أن ابتسامات الصغار وحركاتهم العفوية تمثل بالنسبة له أجمل ما يمكن أن يلتقطه المصور على الشاطئ، لأنها تحمل تفاصيل حقيقية تعبر عن فرحة الصيف والبحر.

وأوضح أن التصوير على الشواطئ يُعد من أصعب أنواع التصوير الخارجي، رغم اعتقاد البعض أنه عمل بسيط، مشيرًا إلى أن التعامل مع ضوء الشمس القوي وانعكاسات المياه يحتاج إلى خبرة طويلة ودقة كبيرة في اختيار الزوايا والتوقيت المناسب لالتقاط الصورة لافتاً أن التحكم في إضاءة البحر والشمس لابد من مصور المحترف ، مؤكدًا أن نجاح الصورة يرتبط بقدرة المصور على توظيف الإضاءة الطبيعية دون أن تفقد اللقطة تفاصيلها أو جمالها.

كاميرات الموبايل لم تُنهِ الحكاية

على الرغم من الانتشار الكبير للهاتف المحمول الذكي والكاميرات المتطورة، يؤكد عم سعيد أن هناك مجموعة من الزبائن لا يزالون متمسكين بفكرة الصورة الورقية التقليدية لافتا أن الكثير من الناس يلتقطون الصور باستخدام هواتفهم، لكن عندما يرغبون في طباعة هذه الصور، يكتشفون أن الجودة ليست كما كانوا يتوقعون، وعندها يقولون ياليتنا استخدمنا الكاميرا العادية» . 

و أضاف أن العلاقة بينه و بين زبائن الشاطئ تتجاوز مجرد التعامل التجاري، فقد أصبحت تمتد عبر أجيال كاملة موضحاً أن العديد من زبائنه الحاليين كانوا يأتون للتصوير مع أسرهم عندما كانوا أطفالًا، ثم يعودون لاحقًا مع أولادهم و أحفادهم، مما يعكس ذاكرة حية ومستمرة للأجيال المتعاقبة. 

«بقينا بصمة على الشواطئ».. المصوراتي شاهد على ذاكرة الإسكندرية

أوضح عم سعيد أن مهنة التصوير على الشواطئ لم تعد كما كانت في خمسينيات و ستينيات القرن الماضي، عندما كان المصورون جزءًا أساسيًا من أجواء الصيف في مدينة الإسكندرية. لقد كانوا يتمتعون بمكانة خاصة بين المصطافين الذين كانوا يتوافدون إلى الشاطئ.

و أكد أن معدل الإقبال على التصوير انخفض بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ولكنه لم يختفِ تمامًا، حيث لا يزال هناك عدد من الأشخاص الذين يحتفظون بارتباط عاطفي مع ذكريات الصور القديمة مختتما حديثه بقوله : نحن لسنا مجرد مصورين، بل مع مرور الوقت أصبحنا مرشدين للأشخاص على الشواطئ، وصرنا جزءًا من ذاكرة الإسكندرية نفسها.. نحن بصمة على البحر.

تم نسخ الرابط