ماذا لو توقف الغاز الإسرائيلي عن مصر؟.. خبراء يُجيبون
هل تساءلت يومًا عن حجم واردات مصر من الغاز الطبيعي القادم من إسرائيل؟ وماذا يمكن أن يحدث لو توقفت هذه الإمدادات بشكل مفاجئ؟ وما حجم احتياطي مصر من الغاز الطبيعي، وما البدائل المتاحة أمام الدولة لتعويض أي نقص محتمل؟
أسئلة عديدة بدأت تفرض نفسها على الشارع الاقتصادي، خاصة بعد إعلان إسرائيل مؤخرًا خفض توريد الغاز الطبيعي إلى مصر، في خطوة أثارت تساؤلات حول تداعياتها على قطاع الطاقة واستقرار إمدادات الكهرباء والصناعة خلال الفترة المقبلة.
وفي هذا السياق، يفتح "بلدنا اليوم" ملف الغاز الطبيعي، مستعرضًا أبعاد الأزمة من منظور خبراء اقتصاد وطاقة، للإجابة عن أبرز التساؤلات المتعلقة بحجم الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، وقدرة مصر على التعامل مع أي نقص محتمل في الإمدادات، والبدائل المتاحة لضمان استقرار سوق الطاقة.
تأمين مصر لاحتياجاتها من الطاقة
في وقت تواصل فيه مصر جهودها لتأمين احتياجاتها من الطاقة، يظل ملف الغاز الإسرائيلي أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للاقتصاد المصري، خاصة مع تزايد الاعتماد على الواردات خلال السنوات الأخيرة لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك المتنامي.
ومع كل أزمة جيوسياسية أو توقف مؤقت للإنتاج في حقول شرق المتوسط، يتجدد السؤال: ماذا سيحدث إذا توقفت إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر بشكل كامل؟
ويرى خبراء اقتصاد وطاقة أن الإجابة لا ترتبط فقط بحجم الواردات الحالية، وإنما بقدرة الدولة على توفير بدائل سريعة وتعويض النقص دون التأثير على الكهرباء أو النشاط الصناعي.
أرقام تكشف حجم الاعتماد على الغاز الطبيعي
تشير بيانات قطاع الطاقة إلى أن مصر تستورد حاليًا ما بين 900 مليون و1.05 مليار قدم مكعبة يوميًا من الغاز الإسرائيلي، بينما بلغ متوسط الواردات خلال عام 2025 نحو 884 مليون قدم مكعبة يوميًا.
وتُقدر الكميات المستوردة سنويًا بما يتراوح بين 12 و13 مليار متر مكعب، وهو ما يجعل إسرائيل أحد أكبر موردي الغاز للسوق المصرية خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، يتراوح الاستهلاك المحلي للغاز الطبيعي بين 6 و7 مليارات قدم مكعبة يوميًا، بينما يدور الإنتاج المحلي حول 4 إلى 4.5 مليار قدم مكعبة يوميًا فقط، ما يخلق فجوة تتجاوز 1.5 مليار قدم مكعبة يوميًا يتم تغطيتها عبر الواردات وشحنات الغاز الطبيعي المسال.
ويعني ذلك أن الغاز الإسرائيلي يمثل ما بين 15% و20% من إجمالي استهلاك مصر من الغاز الطبيعي، وهي نسبة كافية لإحداث ضغوط كبيرة على السوق حال توقفها بشكل مفاجئ.
خبير طاقة: الأزمة الحقيقية ليست الكهرباء
قال خالد عبد المطلب، خبير الطاقة، إن فقدان مليار قدم مكعبة يوميًا دفعة واحدة سيمثل تحديًا حقيقيًا لمنظومة الطاقة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة عودة انقطاعات الكهرباء بصورة فورية.
وأوضح خبير الطاقة أن الدولة أصبحت تمتلك أدوات أكثر مرونة للتعامل مع الأزمات مقارنة بالسنوات الماضية، من خلال خطط الطوارئ التي تسمح بتشغيل بعض المحطات باستخدام المازوت والسولار، بالإضافة إلى الاستفادة من المخزونات المتاحة من الوقود.
وأشار عبد المطلب إلى أن الأولوية في مثل هذه الحالات تكون دائمًا لتوفير احتياجات محطات الكهرباء والمنازل، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث تأثير مباشر على المواطنين خلال المراحل الأولى من الأزمة.
وأضاف أن السيناريو الأخطر يتمثل في استمرار التوقف لفترات طويلة بالتزامن مع ذروة الاستهلاك الصيفي، حيث ترتفع احتياجات الكهرباء إلى مستويات قياسية.
الصناعة في مقدمة المتضررين من خفض الغاز
ويرى خبراء الاقتصاد والطاقة أن القطاع الصناعي سيكون الأكثر تأثرًا حال استمرار توقف الإمدادات لفترة طويلة، وفي ذلك يؤكد رضا لاشين، خبير الاقتصاد، أن الحكومة قد تلجأ إلى خفض أو إعادة توزيع كميات الغاز الموجهة لبعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعلى رأسها مصانع الأسمدة والبتروكيماويات والحديد والصلب والأسمنت.
وأكد لاشين أن أي خفض في إمدادات الغاز لهذه القطاعات قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل، وهو ما ينعكس بدوره على الأسعار والصادرات الصناعية.
وأشار إلى أن قطاع الأسمدة يعد من أكثر القطاعات حساسية لأي نقص في الغاز الطبيعي، نظرًا لاعتماده المباشر عليه كمادة خام في عمليات الإنتاج.
ماذا عن المخزون الاستراتيجي من الطاقة؟
لا تعلن الحكومة بشكل رسمي عن حجم المخزون الاستراتيجي من الغاز الطبيعي، باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومي وأمن الطاقة.
لكن خبراء الطاقة يؤكدون أن الدولة عملت خلال العامين الماضيين على تعزيز احتياطياتها من الوقود والغاز المسال، إلى جانب التوسع في التعاقدات طويلة الأجل لتأمين احتياجات السوق المحلية.
ويشير الخبراء إلى أن وجود مخزون استراتيجي يمنح الحكومة مساحة زمنية مهمة للتعامل مع أي أزمة مفاجئة دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية سريعة.
الغاز المسال.. البديل الأسرع
ويجمع الخبراء على أن الغاز الطبيعي المسال يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة أي نقص محتمل في الواردات القادمة عبر خطوط الأنابيب.
وخلال الفترة الماضية كثفت مصر تعاقداتها على شحنات الغاز المسال، بالتزامن مع تطوير قدرات الاستقبال وإعادة التغويز داخل الموانئ المصرية.
ويؤكد خبراء الطاقة أن هذا التوجه يمنح الدولة مرونة كبيرة في استيراد الغاز من الأسواق العالمية بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد فقط.
خبير اقتصادي: فاتورة الاستيراد سترتفع
من الناحية الاقتصادية، يؤكد محللون أن التحدي الأكبر لا يكمن في توافر الغاز بقدر ما يكمن في تكلفة توفيره، وعليه أكد أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، أن الغاز المستورد عبر خطوط الأنابيب أقل تكلفة من الغاز الطبيعي المسال الذي يتم شراؤه من الأسواق العالمية، وبالتالي فإن أي توقف طويل الأمد سيجبر مصر على زيادة وارداتها من الغاز المسال بأسعار أعلى.
ويحذر غراب من أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى زيادة فاتورة استيراد الطاقة بمليارات الدولارات سنويًا، ما يفرض ضغوطًا إضافية على موارد النقد الأجنبي والموازنة العامة للدولة.
ويشدد خبير الاقتصاد في الوقت نفسه على أن مصر أصبحت أكثر استعدادًا للتعامل مع مثل هذه الأزمات بفضل البنية التحتية التي تم تطويرها خلال السنوات الأخيرة.