النادي النهري يعيد إشعال أقدم معارك الصحفيين بين دعاة العودة إلى النقابة وأنصار الاستقلال
أعاد الجدل المثار حول النادي النهري للصحفيين إحياء واحد من أقدم وأعقد الملفات النقابية التي ظلت محل نقاش داخل الجماعة الصحفية على مدار عقود، بعدما فجّر الإعلان عن قيمة الاشتراك الجديدة موجة واسعة من التساؤلات تجاوزت الأبعاد المالية المباشرة إلى إعادة طرح قضية أكثر عمقًا تتعلق بالوضع القانوني والإداري للنادي وعلاقته بنقابة الصحفيين، وبينما بدا الأمر للوهلة الأولى مرتبطًا بزيادة رسوم العضوية، سرعان ما تحول إلى سجال أوسع حول تاريخ النادي وهويته ودوره وموقعه ضمن منظومة الخدمات النقابية المقدمة للصحفيين.
بيان يحيى قلاش عن النادي النهري للصحفيين
في هذا السياق، طرح الكاتب الصحفي يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، رؤية تستند إلى اعتبار أن خروج النادي من تبعية نقابة الصحفيين يمثل مسارًا خاطئًا جرى تكريسه عبر سنوات طويلة، وأن الوقت قد حان لمراجعة هذا الوضع وتصحيحه بما يعيد أحد الأصول والخدمات المرتبطة بالصحفيين إلى مظلة نقابتهم، ويرى (وفقًا لمقاله الأخير) أن القضية لا تتعلق بقيمة الاشتراكات أو حجم الخدمات المقدمة بقدر ما ترتبط بمبدأ الحفاظ على الحقوق والأصول النقابية وصون استقلالية مؤسسات الجماعة الصحفية، باعتبار أن النقابة يجب أن تظل المظلة الطبيعية لكل ما يخص أعضائها.
بيان سعيد محمد أحمد عن النادي النهري للصحفيين
وعلى الجانب الآخر، جاء رد الكاتب الصحفي سعيد محمد أحمد ليعكس رؤية مختلفة تنطلق من تقييم التجربة العملية للنادي عبر العقود الماضية، حيث يرى أن النادي استطاع، رغم كل الجدل المثار حوله، أن يؤدي دورًا اجتماعيًا وثقافيًا وخدميًا مهمًا للصحفيين وأسرهم، وأن التركيز على معركة تبعيته في الوقت الراهن لا يمثل أولوية مقارنة بالتحديات المهنية والاقتصادية الضاغطة التي تواجه أبناء المهنة، كما يؤكد أن الحفاظ على استمرارية الخدمات وتطوير البنية التحتية للنادي وتحسين مستوى الاستفادة منه يظل أكثر أهمية من العودة إلى معارك تنظيمية وقانونية يرى أنها حُسمت منذ سنوات طويلة.
وتتشكل بين هاتين الرؤيتين مساحة واسعة من النقاش داخل الوسط الصحفي؛ فبين من ينظر إلى القضية باعتبارها معركة تتعلق باسترداد حق نقابي وتاريخي، ومن يراها نقاشًا ثانويًا أمام ملفات أكثر إلحاحًا تتعلق بالأجور والحريات المهنية ومستقبل الصحافة، تبرز أسئلة جوهرية حول أولويات العمل النقابي في المرحلة الراهنة، وحدود التوازن بين الدفاع عن الأصول والمؤسسات التابعة للجماعة الصحفية من جهة، والسعي لتحسين الظروف المعيشية والمهنية للصحفيين من جهة أخرى.
وتكمن أهمية هذا الجدل في أنه لا يعكس خلافًا شخصيًا أو صراعًا حول إدارة منشأة خدمية فحسب، وإنما يكشف عن اختلاف في فلسفة النظر إلى الدور النقابي ذاته؛ هل تكون الأولوية لتصحيح ما يراه البعض اختلالات تاريخية في بنية المؤسسات التابعة للصحفيين، أم لتوجيه الجهد نحو مواجهة التحديات الاقتصادية والمهنية المتراكمة؟ أم حسابات انتخابية مبكرة بين أكثر من تيار أيديولوجي؟، وهو نقاش يظل مفتوحًا أمام أعضاء الجمعية العمومية ومختلف التيارات النقابية، باعتباره جزءًا من الحوار الطبيعي حول مستقبل المهنة وآليات حماية مصالح أبنائها، في وقت تواجه فيه الصحافة المصرية تحديات متسارعة تتطلب رؤى متعددة ومساحات أوسع من الحوار والتوافق.
أبو السعود محمد: فشل مشروعات سابقة للنقابة يؤكد أهمية بقاء النادي النهري مستقلًا
وتعقيبًا على ذلك، أكد الكاتب الصحفي أبو السعود محمد، عضو مجلس نقابة الصحفيين الأسبق، أن الجدل المثار حول تبعية النادي النهري لنقابة الصحفيين أو استمراره تحت إدارته الحالية ليس جديدًا، وإنما يمثل قضية مطروحة منذ سنوات طويلة شهدت خلالها محاولات متكررة لإعادة ضم النادي إلى النقابة، إلا أنها لم تُكلل بالنجاح.
وقال ”أبو السعود“ في حديثه لـ «بلدنا اليوم» إن جوهر القضية لا يكمن في الجهة التي يتبعها النادي إداريًا بقدر ما يكمن في مستوى الخدمات التي يقدمها لأعضاء الجمعية العمومية وأسرهم، مشددًا على أن المعيار الحقيقي لأي مؤسسة خدمية هو قدرتها على تلبية احتياجات أعضائها وتطوير أنشطتها بصورة مستمرة.
وأضاف أن النادي النهري نجح على مدار عقود في أداء دور اجتماعي وخدمي هام للصحفيين، واستطاع أن يظل حاضرًا في حياة أجيال متعاقبة من أبناء المهنة بداية من الكاتب الكبير محمود السعدني، معتبرًا أن تقييم تجربة النادي يجب أن يستند إلى ما يقدمه فعليًا من خدمات وأنشطة، وليس فقط إلى الجدل المتعلق بتبعيته الإدارية.
وأوضح عضو مجلس النقابة الأسبق أن أعضاء النادي هم أصحاب الحق الأصيل في تقييم أدائه ومحاسبة مجلس إدارته من خلال الآليات الديمقراطية المتاحة، سواء عبر الانتخابات أو من خلال الاعتراض على القرارات التي تمس مصالح الأعضاء، مؤكدًا أن تطوير الخدمات وتحسين مستوى الأداء يجب أن يكونا في مقدمة أولويات أي نقاش يتعلق بمستقبل النادي.
وأشار إلى أن نقابة الصحفيين تمتلك تجارب سابقة في عدد من المشروعات الخدمية والاستثمارية التي لم تحقق الهدف منها، مستشهدًا بمشروعات وأراضٍ مخصصة للنقابة في محافظات مختلفة لم يتم استغلالها أو تطويرها بالشكل المطلوب على مدار سنوات طويلة، وفي مقدمة هذه الأراضي النادي البحري بالاسكندرية، وهو ما يفرض ضرورة النظر إلى ملف النادي النهري من زاوية عملية تركز على النتائج والخدمات المقدمة.
وفيما يتعلق بزيادة قيمة الاشتراك، أكد أبو السعود محمد أن من حق أعضاء النادي مناقشة أي زيادات مالية أو الاعتراض عليها إذا رأوا أنها لا تتناسب مع مستوى الخدمات المقدمة، مشددًا على أن أي قرار بزيادة الرسوم يجب أن يكون مصحوبًا برؤية واضحة لتحسين الخدمات والأنشطة المقدمة للأعضاء.
وأضاف: "القضية الأساسية ليست في قيمة الاشتراك وحدها، وإنما في معرفة ما الذي سيحصل عليه العضو مقابل هذه الزيادة، وما هي الخطط التي ستنعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات داخل النادي".
واختتم أبو السعود محمد مؤكدًا أن استمرار النادي النهري ككيان مستقل عن نقابة الصحفيين قد يكون الخيار الأنسب للحفاظ على موارده المالية وتوجيهها بالكامل إلى تطوير خدماته وأنشطته، بعيدًا عن أية التزامات أو مشروعات أخرى قد تتحملها النقابة، مشيرًا إلى أن تجارب سابقة من بينها مشروع النادي البحري بالإسكندرية وأرض نادي مدينة نصر التي تم سحبها وفشل النقابة في استردادها لم تحقق الهدف منها تحت إدارة النقابة، وهو ما يعكس أهمية الحفاظ على استقلالية النادي النهري بما يضمن استدامة خدماته وتطويرها لصالح أعضائه.




