انخفاض 23% في إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر.. هل تتأثر الصناعة والأسعار خلال الصيف؟
عاد ملف الطاقة إلى صدارة المشهد الاقتصادي بعد تراجع إمدادات الغاز الطبيعي الواردة من إسرائيل إلى مصر بنحو 23% خلال الأيام الأخيرة، في وقت يشهد فيه السوق المحلي ارتفاعًا متزايدًا في الطلب على الغاز والكهرباء مع دخول فصل الصيف.
ووفق بيانات متداولة في قطاع الطاقة، انخفضت كميات الغاز الواردة من إسرائيل إلى نحو 850 مليون قدم مكعب يوميًا، مقارنة بأكثر من 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا خلال الفترة السابقة، ما يعني فقدان السوق المصرية نحو 250 مليون قدم مكعب يوميًا من الإمدادات المعتادة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي لتغطية جزء من احتياجاتها المحلية، إذ تمثل الواردات القادمة من إسرائيل ما بين 15% و20% من إجمالي استهلاك الغاز الطبيعي في البلاد، بينما يقدر الاستهلاك اليومي الحالي بنحو 6.2 مليار قدم مكعب، ويرتفع خلال أشهر الصيف مع زيادة الأحمال الكهربائية.
لماذا انخفضت الإمدادات؟
يرى خبراء الاقتصاد أن السبب المباشر وراء خفض الإمدادات يعود إلى أعمال الصيانة الدورية في الحقول الإسرائيلية، وهي إجراءات فنية معتادة تهدف إلى الحفاظ على كفاءة الإنتاج وضمان استمرارية التشغيل، مؤكدين أن الأزمة الحالية ليست مرتبطة بنقص في الاحتياطيات أو توقف دائم للإنتاج، وإنما ترتبط بعوامل تشغيلية مؤقتة.
فيما تشير تقديرات متخصصة إلى أن إنتاج مصر من الغاز الطبيعي يدور حول 4 مليارات قدم مكعب يوميًا، في حين يتجاوز الاستهلاك المحلي 6.2 مليار قدم مكعب يوميًا، وقد يصل إلى 7.2 مليار قدم مكعب خلال ذروة الصيف، وهو ما يخلق فجوة تتجاوز ملياري قدم مكعب يوميًا يتم تغطية جزء منها عبر الواردات.
خبير اقتصادي: التأثير مرتبط بمدة استمرار الخفض
قال رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، إن التأثير المباشر للانخفاض الحالي لن يكون كبيرًا إذا عادت الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية خلال أيام، لكن استمرار التخفيضات لفترة أطول قد يفرض ضغوطًا إضافية على فاتورة الطاقة في مصر.
وأضاف عبده في تصريحات خاصة، أن الحكومة قد تضطر إلى زيادة الاعتماد على استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية لتعويض النقص، وهو ما يرفع تكلفة توفير الطاقة مقارنة بالغاز القادم عبر خطوط الأنابيب.
وأوضح الخبير الاقتصادي، أن المخاوف لا ترتبط فقط بتوفير الغاز، بل أيضًا بالتكلفة الاقتصادية، خاصة أن أسعار الغاز المسال المستورد عادة ما تكون أعلى من تكلفة الغاز المورد عبر الاتفاقيات طويلة الأجل، ما قد ينعكس على تكلفة الإنتاج في بعض القطاعات الصناعية.
وأشار رشاد عبده إلى أن الدولة نجحت خلال الأشهر الماضية في التعاقد على شحنات إضافية من الغاز المسال وتأمين وحدات تغويز جديدة لاستقبال الواردات، ما يمنحها مرونة في التعامل مع أي نقص مؤقت في الإمدادات.
كيف يتأثر سوق الطاقة في مصر؟
من جانبه، يرى أحمد حجازي، خبير الطاقة، أن فقدان 250 مليون قدم مكعب يوميًا لا يمثل أزمة فورية لمنظومة الطاقة المصرية، لكنه يظل رقمًا مؤثرًا في ظل ارتفاع الاستهلاك الصيفي.
وأوضح خبير الطاقة، أن قطاع الكهرباء وحده يستهلك ما بين 58% و60% من إجمالي الغاز المستخدم في مصر، وبالتالي فإن أي نقص في الإمدادات يتطلب تحركات سريعة لضمان استمرار تشغيل محطات الكهرباء بكفاءة خلال فترات الذروة.
وأضاف حجازي أن الحكومة بدأت بالفعل في تنفيذ عدد من الإجراءات الاحترازية، من بينها التوسع في استيراد الغاز المسال، بالإضافة إلى زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة لتقليل استهلاك الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء.
وأشار إلى أن وزارة الكهرباء تستعد لإضافة قدرات جديدة من الطاقة الشمسية تقدر بنحو 1800 ميجاوات خلال يونيو الجاري، وهو ما قد يساهم في خفض استهلاك الغاز الطبيعي بنحو 170 إلى 200 مليون قدم مكعب يوميًا، أي ما يعوض جانبًا كبيرًا من الكميات المفقودة حاليًا.
هل ترتفع أسعار الغاز للمواطنين؟
حتى الآن لا توجد أي مؤشرات رسمية على زيادة أسعار الغاز الطبيعي للمنازل بسبب الانخفاض الحالي في الواردات الإسرائيلية.
ويرى خبراء أن التأثير المباشر على المواطنين يظل محدودًا في المدى القصير، خاصة أن الحكومة تمتلك بدائل متنوعة لتأمين احتياجات السوق المحلي، سواء من خلال الغاز المسال أو زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة الأخرى.
لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك لفترات طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة توفير الطاقة بشكل عام، وهو ما قد ينعكس بصورة غير مباشرة على بعض الأنشطة الاقتصادية والصناعية.
هل تمتلك مصر بدائل كافية؟
تشير البيانات الرسمية إلى أن مصر تعمل حاليًا على تنويع مصادر الإمداد وعدم الاعتماد على مصدر واحد للغاز الطبيعي، من خلال التوسع في استيراد الغاز المسال من الأسواق العالمية، إلى جانب تطوير البنية التحتية الخاصة بالتغويز والاستقبال.
كما تواصل الدولة جهودها لزيادة الإنتاج المحلي عبر تنمية الحقول الجديدة وتشجيع أعمال البحث والاستكشاف، بالتوازي مع خطط التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وفي المقابل، كانت هناك توقعات قبل أسابيع بارتفاع إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى نحو 1.3 مليار قدم مكعب يوميًا خلال صيف 2026 بعد تنفيذ توسعات في خطوط النقل، ما يشير إلى أن الانخفاض الحالي يرتبط بظروف تشغيلية مؤقتة أكثر من كونه تغييرًا دائمًا في سياسة التصدير.