عصام التيجي يكتب: «بين الشك واليقين».. الدكتور مصطفى محمود يعود إلى الشاشة في رمضان
تسعة أشهر تقريبًا تفصلنا عن ميلاد شخصية تعود إلى النور من جديد ، بعد أن أضاءت جنبات القرن العشرين بنبراس العلم والمعرفة ، وأثرت الفكر العربي برحلة فريدة في البحث عن الذات والحقيقة ؛ رحلة بدأت بأسئلة العقل وتأملاته ، وانتهت إلى يقين راسخ بأن الإيمان هو السبيل إلى إدراك الحقيقة الكونية وفهم فلسفة الوجود .
تسعة أشهر فقط ، ويولد العالم والمفكر الدكتور مصطفى محمود من جديد عبر عمل درامي يتناول سيرته الذاتية ، في خطوة تحمل الكثير من الطموح الفني ، وتسعى إلى تقديم أحد أبرز رموز الفكر والثقافة في العالم العربي للأجيال الجديدة ، واستحضار مسيرة إنسان استثنائي جمع بين العلم والفلسفة والإيمان .
حيث تستعد الدراما المصرية في الموسم الرمضاني 2027 لاستقبال أحد أكثر الأعمال المنتظرة خلال السنوات الأخيرة ، وهو مسلسل "بين الشك واليقين" الذي يتناول السيرة الذاتية للمفكر والطبيب والأديب المصري الراحل الدكتور مصطفى محمود ، ويجسد بطولته الفنان حمزة العيلي ، في تجربة يُتوقع أن تكون من أبرز محطات الموسم الدرامي المقبل .
ووفقًا لما نشرته بعض المواقع الإعلامية والصحفية ، فإن العمل من إخراج كاملة أبو ذكري ، ومعالجة درامية للكاتب محمد هشام عبية ، وتتعاون في إنتاجه الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية مع إحدى شركات الإنتاج الخاصة .
ولعل أهمية هذا المشروع لا تنبع من كونه عملًا دراميًا جديدًا فحسب ، بل لأنه يتناول شخصية استثنائية تركت بصمة عميقة في الوجدان العربي ؛ فقد كان مصطفى محمود طبيبًا ومفكرًا وكاتبًا وصاحب مشروع فكري متكامل ، خاض رحلة طويلة في قضايا العلم والإيمان والوجود ، وقدم عشرات المؤلفات التي أثارت النقاش الفكري والثقافي لعقود ، كما ارتبط اسمه ببرنامج "العلم والإيمان" الذي تحول إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أسهمت في تبسيط العلوم وربطها بأسئلة الإنسان الكبرى ، ليصبح أحد أكثر البرامج تأثيرًا في تاريخ الإعلام العربي .
وتكمن جاذبية سيرة مصطفى محمود في أنها ليست مجرد قصة نجاح لطبيب أو كاتب ، بل تجربة إنسانية وفكرية ثرية حفلت بالتحولات والأسئلة الكبرى ، وهي الفكرة التي استُلهم منها عنوان المسلسل ؛ فالرجل لم يتوقف عند حدود التخصص الطبي ، بل انفتح على الفلسفة والأدب والعلوم والروحانيات ، ما يجعل حياته مادة درامية غنية بالأحداث والصراعات الفكرية .
أما الفنان حمزة العيلي ، فيدخل من خلال هذا العمل منطقة جديدة ومختلفة في مسيرته الفنية ، تضعه أمام أحد أكبر تحدياته ؛ فعلى مدار سنوات استطاع أن يفرض حضوره كممثل يمتلك أدوات أداء خاصة ، تعتمد على الصدق والبساطة والقدرة على النفاذ إلى أعماق الشخصية دون افتعال أو مبالغة ؛ وقد عبّر العيلي عن فخره الكبير باختياره لتجسيد شخصية الدكتور مصطفى محمود ، مؤكدًا أنه من المعجبين بهذه القامة الفكرية والإنسانية ، ويدرك حجم المسؤولية التي يفرضها تقديم شخصية لا تزال حاضرة في ذاكرة الملايين .
ومن المتوقع أن يواجه حمزة العيلي تحديًا فنيًا استثنائيًا ؛ إذ إن تجسيد مصطفى محمود لا يتوقف عند حدود التشابه الشكلي أو الأداء الصوتي ، بل يتطلب نقل حالة فكرية وإنسانية مركبة تجمع بين الطبيب الباحث ، والفيلسوف المتأمل ، والإعلامي القادر على مخاطبة الجمهور بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد ؛ ومن هنا تبدو المهمة أقرب إلى إعادة إحياء روح الشخصية منها إلى مجرد تمثيلها .
ويكتسب المسلسل أهمية إضافية في ظل ندرة الأعمال الدرامية التي تتناول سير العلماء والمفكرين ؛ إذ اعتادت الدراما العربية التركيز على الشخصيات السياسية أو الفنية ، بينما تأتي سيرة مصطفى محمود لتعيد الاعتبار للنماذج الفكرية التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والعلمي للمجتمع ؛ كما تمنح الأجيال الجديدة ، التي لم تعاصر تجربة "العلم والإيمان" ، فرصة للتعرف على أحد أبرز رموز الفكر العربي في القرن العشرين .
وبين ثراء الشخصية التاريخية ، وخبرة فريق العمل ، وقدرات حمزة العيلي التمثيلية ، يترقب الجمهور المصري والعربي مسلسل "بين الشك واليقين" بوصفه مشروعًا دراميًا يتجاوز حدود الترفيه ، ليقدم رحلة إنسانية وفكرية ملهمة تعيد إلى الأذهان سيرة عالِم ظل طوال حياته باحثًا عن الحقيقة ، مؤمنًا بأن المعرفة هي الطريق الأوسع لفهم الإنسان والكون والحياة .
ويبقى الدكتور مصطفى محمود واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإلهامًا في تاريخ مصر المعاصر ؛ فقد أسهم في تشكيل وعي أجيال متعاقبة ، وفتح أمام المشاهد العربي آفاقًا جديدة للتفكير ، جامعًا بين حقائق العلم وأسئلة الوجود الكبرى ، ومؤكدًا أن الإيمان والمعرفة ليسا طريقين متوازيين ، بل جناحين لفهم الكون والإنسان .
ولعل مسلسل "بين الشك واليقين" لا يعيد فقط سيرة الدكتور مصطفى محمود وعالمه الفكري والإنساني إلى الأجيال الجديدة ، بل يمثل أيضًا فرصة لاستعادة زمن الدراما الرمضانية التي كانت تجمع الأسرة المصرية حول عمل واحد ينتظره الجميع بشغف ، كما حدث مع مسلسل "أم كلثوم" عام 1999 الذي التف حوله الملايين في مصر والعالم العربي ؛ وبينما نترقب ما سيقدمه حمزة العيلي في تجسيد هذه الشخصية الاستثنائية ، يبدو أننا أمام عمل قد يصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية ، وأحد أبرز أعمال دراما رمضان 2027 ، ليعود مصطفى محمود بميلاد جديد إلى الشاشة الصغيرة حاملًا رحلته الخالدة من الشك إلى اليقين ، ومن البحث عن الحقيقة إلى الإيمان بها .*


