خبير دولي: طهران وواشنطن تستخدمان النار والدبلوماسية كأداتان متكاملتان لإدارة الأزمات|خاص
طهران .. تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها التحركات العسكرية مع المسارات السياسية والدبلوماسية، في وقت تسعى فيه القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة ترتيب موازين القوى وصياغة تفاهمات جديدة تحول دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة بين طهران و واشنطن.
وبين استمرار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وتوقيع الاتفاق الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، فماذا سوف يحل بمستقبل المنطقة والسيناريوهات المحتملة خلال الفترة المقبلة.
التصعيد العسكري ورهانات التفاوض
قال مدير مركز دراسات الشرق للسلام الباحث الأستاذ حسين قنبر، إن منطقة الشرق الأوسط تمر بمنعطف استراتيجي بالغ التعقيد، تعيد فيه القوى الفاعلة صياغة قواعد الاشتباك وأطر التفاوض بالتوازي، موضحا أن المشهد الراهن القائم على التزامن بين الضربات العسكرية الأخيرة ومسارات التفاوض خلف الكواليس يعكس حقيقة أن النار والدبلوماسية ليسا مسارين متناقضين بل أداتين متكاملتين في إدارة حافة الهاوية.

وأضاف أن الضربات العسكرية المتبادلة الأخيرة بين واشنطن وطهران أو حلفائهما لا تعني بالضرورة انهيار المسار التفاوضي، وإنما تمثل في جوهرها شكلا من أشكال التفاوض الخشن، سواء بالوكالة أو بصورة مباشرة.
وأشار إلى أن واشنطن تسعى من خلال ضرباتها إلى ترسيخ خطوط حمراء تمنع تغيير التوازنات الإقليمية، بينما تحاول طهران إثبات أن أي ترتيبات أمنية في المنطقة لا يمكن أن تتجاوز مصالحها الحيوية، بما يعكس استمرار الصراع على رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد.
قنوات الاتصال والاتفاق الثلاثي
وأوضح قنبر أن القراءة التحليلية تشير إلى استمرار عمل قنوات التواصل غير المعلنة، عبر وساطات إقليمية معتادة مثل سلطنة عمان وقطر، مؤكدا أن الطرفين يدركان كلفة المواجهة الشاملة لذلك تستخدم الضربات العسكرية كوسيلة لتحسين شروط التفاوض قبل الوصول إلى الطاولة النهائية، خاصة في ملفات الطاقة والعقوبات والنفوذ الإقليمي.
وأكد أن الاتفاق الثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية يمثل خطوة جوهرية نحو تفكيك بنية الصراع المزمن على الجبهة الشمالية، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إدارة الخلافات الإقليمية.
وأوضح أن الاتفاق يعكس نضجا في مفهوم الواقعية السياسية لدى الأطراف المعنية، حيث جرى تغليب المصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة، مثل تأمين حقول الغاز وضمان الاستقرار الحدودي ودعم مشروعات إعادة الإعمار، على حساب السرديات الأيديولوجية التقليدية.
الضمانات الأمريكية ومستقبل التفاهمات
وأضاف قنبر أن وجود الولايات المتحدة كطرف ضامن يمنح الاتفاق قدرا أكبر من الموثوقية والمرونة مقارنة بالاتفاقات الثنائية المؤقتة، معتبرا أن هذه الخطوة قد تؤسس لنموذج جديد من الأمن التعاوني بحكم الأمر الواقع، بما يسهم في تحييد بعض الجبهات عن الصراعات الكبرى.
وأشار إلى أن المشهد الإقليمي يتحرك وفقا للمعطيات الحالية بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
وأوضح أن السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحا، يتمثل في أن تقود الضربات الأخيرة إلى قناعة مشتركة بضرورة احتواء التصعيد، مع البناء على نموذج الاتفاق الثلاثي لتطبيق صيغ مشابهة في ملفات أخرى، مثل أمن الملاحة في البحر الأحمر والتهدئة في سوريا والعراق وصولا إلى تفاهمات غير مكتوبة بين واشنطن و طهران تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
وأضاف أن السيناريو الثاني يتمثل في استمرار الوضع الراهن، حيث تتعثر جولات التفاوض وتتخللها ضربات موضعية متبادلة للحفاظ على توازنات القوى، مع بقاء الصراع تحت سقف يمكن السيطرة عليه، لكنه يظل معرضا للانفجار نتيجة أي خطأ في الحسابات الميدانية.
وتابع حسين قنبر بأن السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالا يتمثل في حدوث ضربة غير مقصودة أو استهداف منشآت استراتيجية حساسة، بما يدفع أحد الطرفين إلى رد واسع ومباشر يؤدي إلى انهيار قواعد الاشتباك، ويحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، بما يهدد بإسقاط الاتفاقات المرحلية.
وأكد في ختام حديثه أن السلام في الشرق الأوسط لا يصنع بالنيات الحسنة، وإنما عبر هندسة المصالح المشتركة وصياغة اتفاقات متوازنة تضمن الأمن للجميع، مشيرا إلى أن الاتفاق الثلاثي الأخير يثبت قدرة الدبلوماسية على تحقيق اختراقات حقيقية إذا توافرت الإرادة الدولية والواقعية المحلية، بما يمهد لتحويل التفاهمات المؤقتة إلى أطر مستدامة لسلام شامل.