انتهاك اتفاقية الخليل.. هل تعيد إسرائيل رسم خريطة الضفة الغربية؟ |خاص
أثار إعلان وزير المالية الإسرائيلي «بتسلئيل سموتريتش» الأسبوع الماضي إلغاء أجزاء من «اتفاقية الخليل» الموقعة عام 1997 جدلا واسعا, إذ قررت إسرائيل سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية مدينة الخليل بمنطقة H2 التي تضم الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة ومستوطنات يهودية في ونقلها الى السلطات الإسرائيلية، في خطوة أعتُبرت ضما فعليا دون إعلان رسمي، وبينما تصف تل أبيب ما جرى بأنه تعديل محدود لا يلغي الاتفاقية بالكامل، يرى الفلسطينيون ومراقبون أن الخطوة تمثل تحولا خطيرا نحو تكريس الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، وتنذر بامتداد هذا النهج إلى ما تبقى من الأراضي الفلسطينية.
الضم التدريجي
في هذا السياق، قال الدكتور أمجد شهاب، المحلل السياسي الفلسطيني، إن “الخطوة تأتي بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل، وتندرج ضمن مشروع استيطاني أوسع يقوده اليمين المتطرف في إسرائيل بقيادة سموتريتش ويستهدف فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية تدريجيا وتقليص دور السلطة الفلسطينية بها، من دون إعلان صريح قد يحمل تل أبيب كلفة سياسية وأمنية هائلة”.
وأوضح أن الخليل مدينة فلسطينية ذات أهمية وطنية ودينية كبيرة إذ يتجاوز تاريخها خمسة آلاف عام، وتضم الحرم الإبراهيمي الذي يعد من أهم المقدسات الإسلامية في فلسطين والعالم، مشيرا إلى أن سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية المدينة ونقلها إلى السلطات الإسرائيلية بما يُمهد لفرض سيادتها التامة على المنطقة، يُنذر بإمكانية تعميم هذا السيناريو على مختلف الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية.

وأكد شهاب خلال حديثه لـ«بلدنا اليوم», أن الخطوة تمثل نموذجا واضحا للمساعي الإسرائيلية لتقويض أي مسار سياسي فلسطيني عبر فرض وقائع جديدة على الأرض، إلى جانب محاولات تشكيل أطر ومؤسسات بلا طابع سياسي لإدارة شؤون الفلسطينيين بالضفة، على غرار مشروع «روابط القرى» الذي طُرح في الثمانينات، لافتا إلى أن إسرائيل تستهدف تقويض الواقع السياسي الفلسطيني وطمس مقوماته، سواء ما يتعلق بالرموز السيادية كالعلم الفلسطيني أو بوجود حكومة رسمية وتمثيل دبلوماسي.
وأشار إلى أن المخطط الإسرائيلي الرئيسي يتمثل في دفع فلسطينيي الضفة إما إلى الرحيل خارجها أو القبول بالعيش تحت سيطرة إسرائيلية مباشرة، مع إدارة شؤونهم عبر أُطر محلية وعشائرية بديلة عن المؤسسات الرسمية التي تطالب بحقوق سياسية كالسلطة الفلسطينية.
وأضاف: “رغم أن السلطة الفلسطينية لا تسيطر أمنيا وإداريا سوى على 18% فقط من مساحة الضفة الغربية والتي تعرف بالمنطقة «أ»، إلا أنها تشهد اقتحامات واعتداءات يومية من القوات الإسرائيلية والمستوطنين، إلى جانب تحركات لإقامة مشاريع استيطانية داخلها وحولها، ما يهدد بإفراغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها الجغرافي والسياسي”.
ويرى شهاب أن السلطة الفلسطينية لا تملك “أدوات فعالة” لمواجهة هذه الخطوة فضلا عن التصعيد الإسرائيلي المتواصل، إذ لا تستطيع وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة بما في ذلك القتل والاعتقالات وهدم المنازل، وبالتالي فإن أقصى ما يمكنها فعله - وفق تعبيره - هو اللجوء للمجتمع الدولي وإصدار بيانات الإدانة.
انتهاك الاتفاق
من جانبها، قالت الدكتورة دلال عريقات، أستاذ الدبلوماسية وحل النزاعات بالجامعة العربية الأمريكية، إنه “حتى لو أكدت إسرائيل أن اتفاقية الخليل ما زالت قائمة، فإن سحب صلاحيات التخطيط والبناء في الخليل من الجانب الفلسطيني ونقلها إلى السلطات الإسرائيلية ينتهك أحد أهم بنود الاتفاق، والمتمثل في إقرار الصلاحيات الفلسطينية في إدارة شؤون المدينة”.

وأكدت لـ«بلدنا اليوم», أن توقيت القرار يتزامن مع تصاعد غير مسبوق في سياسات الضم الفعلي بالضفة الغربية، ومع استمرار تحركات الحكومة الإسرائيلية الحالية لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي استحقاق سياسي مستقبلي، كما يأتي في ظل انشغال المجتمع الدولي بأزمات إقليمية ودولية متعددة، ما يشجع تل أبيب - وفق تعبيرها - على المضي قدما في سياسات عدوانية وأحادية الجانب دون أي مساءلة حقيقية.
وتشدد عريقات على أن القانون الدولي لا يعترف بأي إجراءات إسرائيلة أحادية الجانب تهدف إلى تغيير الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة أو نقل السيادة عليها، وبالتالي فإن إلغاء أجزاء من اتفاقية الخليل يمثل - حسب وصفها - انتهاكا سافرا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بما في ذلك قرار مجلس الأمن رقم 2334, الذي أكد عدم شرعية الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، معتبرة أن الحقوق الفلسطينية لا تسقط بمرور الوقت أو بفرض الوقائع على الأرض بالقوة.

