بعد أزمة مضيق هرمز.. مصر تجنى ثمار الاستثمار فى الطاقة المتجددة
صرّح الدكتور أيمن غنيم، أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادي والقانوني، أن أزمة مضيق هرمز الأخيرة أثبتت للعالم أن أمن الطاقة أصبح جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي والاقتصادي للدول. وأوضح أن أي توتر في أحد الممرات البحرية الاستراتيجية لم يعد يؤثر فقط على أسعار النفط، وإنما يمتد تأثيره إلى معدلات التضخم، والنمو الاقتصادي، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات، وأسعار الغذاء والنقل حول العالم.
وأضاف غنيم أن ما شهدته الأسواق خلال الأسابيع الماضية أكد مرة أخرى أن السياسة والاقتصاد أصبحا وجهين لعملة واحدة. فالتطورات العسكرية رفعت أسعار النفط بصورة حادة، بينما أعادت الدبلوماسية الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية تقريبًا، وهو ما يؤكد أن السلام أصبح أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي.
الرؤية المصرية
وأوضح غنيم أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان منذ بداية الأزمة من أوائل القادة الذين دعوا إلى وقف التصعيد والاحتكام إلى الحلول السياسية والدبلوماسية. وأضاف أن ما انتهت إليه الأحداث يؤكد صحة الرؤية المصرية، ويعكس أن الرئيس السيسي أصبح يمثل صوت العقل والاعتدال على الساحة الدولية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن السلام لم يعد فقط مطلبًا سياسيًا، بل ضرورة اقتصادية لحماية شعوب العالم.
وتابع غنيم أن الأسواق قدمت الدليل العملي على ذلك، حيث انخفض خام برنت إلى نحو ٧٢ دولارًا للبرميل عقب توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وعودة الهدوء النسبي، مقارنة بنحو ٧٣ دولارًا قبل اندلاع الحرب مباشرة، بينما تجاوز أثناء ذروة الأزمة ١١٥ دولارًا للبرميل نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات وإغلاق الممرات البحرية.
وأشار غنيم إلى أن هذه الأرقام تؤكد أن الجزء الأكبر من الارتفاعات السابقة لم يكن ناتجًا عن نقص فعلي في النفط، وإنما عن “علاوة المخاطر الجيوسياسية”. ولذلك فإن عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب تثبت أن الاستقرار السياسي هو الضامن الحقيقي لاستقرار الاقتصاد العالمي.
وأضاف غنيم أن الدرس الأهم الذي خرجت به دول العالم من هذه الأزمة هو أن الاعتماد على النفط وحده لم يعد كافيًا لضمان أمن الطاقة. ولذلك بدأت الحكومات في تسريع برامج تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في الطاقة المتجددة، وزيادة كفاءة استخدام الطاقة، وإنشاء احتياطيات استراتيجية لمواجهة أي اضطرابات مستقبلية.
وأوضح غنيم أن ألمانيا تمثل أحد أبرز النماذج العالمية في هذا الاتجاه، حيث تستهدف أن يأتي ٨٠٪ من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام ٢٠٣٠، مع الوصول إلى كهرباء شبه خالية من الوقود الأحفوري بحلول ٢٠٣٥. كما ارتفعت مساهمة الطاقة المتجددة بالفعل إلى أكثر من ٥٥٪ من إنتاج الكهرباء، بعدما كانت لا تتجاوز ٦٪ قبل نحو ربع قرن.
وتابع غنيم أن الاتحاد الأوروبي رفع بدوره مستهدفاته للطاقة المتجددة، ليصل إلى ٤٢.٥٪ على الأقل من إجمالي استهلاك الطاقة بحلول عام ٢٠٣٠، مع هدف طموح يبلغ ٤٥٪. ويعكس ذلك اقتناع أوروبا بأن أمن الطاقة أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للقارة.
وأشار إلى أن الصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أصبحت أكبر مستثمر عالمي في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما تستهدف أن يأتي ٥٠٪ من الكهرباء من مصادر غير أحفورية بحلول عام ٢٠٣٠. وأوضح أن بكين تنظر إلى الطاقة النظيفة باعتبارها وسيلة لتعزيز تنافسية الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الواردات البترولية.
وأضاف غنيم أن الهند أيضًا حققت تقدمًا كبيرًا، حيث نجحت في الوصول إلى ٥٠٪ من قدراتها الكهربائية المركبة من مصادر غير أحفورية قبل الموعد المستهدف بخمس سنوات، كما تستهدف الوصول إلى ٥٠٠ جيجاوات من القدرات غير الأحفورية بحلول عام ٢٠٣٠، وهو ما يؤكد أن الاقتصادات الصاعدة أصبحت تنظر إلى الطاقة المتجددة باعتبارها محركًا للنمو وليس مجرد التزام بيئي.
وأوضح غنيم أن الجمهورية الجديدة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي لم تنتظر اندلاع الأزمات حتى تبدأ التحرك، وإنما تبنت رؤية استباقية منذ سنوات تقوم على تنويع مزيج الطاقة وعدم الاعتماد على مصدر واحد. ولذلك أصبحت مصر اليوم من أكثر الدول تقدمًا في ملف التحول الطاقي داخل المنطقة.
وتابع غنيم أن الدولة وضعت هدفًا واضحًا يتمثل في رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى ٤٢٪ من إجمالي قدرات الكهرباء بحلول عام ٢٠٣٠، وهو هدف يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية ويعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وأشار إلى أن مشروع بنبان بمحافظة أسوان أصبح أحد أكبر مجمعات الطاقة الشمسية في العالم، بقدرة تقارب ١.٥ جيجاوات، كما شهدت منطقة خليج السويس توسعًا كبيرًا في مشروعات طاقة الرياح، إلى جانب توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وأضاف غنيم أن نجاح هذه المشروعات لم يكن ممكنًا لولا الطفرة غير المسبوقة في قطاع الكهرباء، حيث ارتفعت القدرات المركبة من نحو ٣١ ألف ميجاوات قبل أكثر من عقد إلى أكثر من ٦٠ ألف ميجاوات حاليًا، بعد إنشاء محطات كهرباء عملاقة وتحديث الشبكة القومية، وهو ما وفر فائضًا يسمح باستيعاب مشروعات الطاقة المتجددة وربطها بالشبكة بكفاءة عالية.
وأوضح غنيم أن التوسع في الطاقة المتجددة لا يحقق فقط أهدافًا بيئية، بل يحقق أيضًا مكاسب اقتصادية مباشرة، تتمثل في تقليل استهلاك الوقود التقليدي، وخفض فاتورة الاستيراد، وتقليل الانبعاثات، وجذب استثمارات أجنبية جديدة، وخلق آلاف فرص العمل في الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة.
وتابع غنيم أن الدول أصبحت تتعامل مع أمن الطاقة باعتباره عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن القومي، ولذلك تتجه إلى تنويع مصادر الاستيراد، وزيادة قدرات التخزين، وإنشاء خطوط أنابيب بديلة، والتوسع في الطاقة المحلية والمتجددة، حتى لا تصبح اقتصاداتها رهينة لأي أزمة جيوسياسية.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري سيكون من أكبر المستفيدين من استقرار أسعار النفط، لأن انخفاض الأسعار يخفف الضغوط على فاتورة الطاقة والاستيراد، ويحد من الضغوط التضخمية، ويمنح الدولة مساحة مالية أكبر لتوجيه الموارد نحو الاستثمار والتنمية والحماية الاجتماعية.

