بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

خبير يوضح: تنقية بطاقات التموين ضرورة اقتصادية ولكن العدالة تقتضي مراعاة الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل

أيمن غنيم
أيمن غنيم

صرّح الدكتور أيمن غنيم، أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادي والقانوني، أن ملف حذف أو استبعاد بعض المواطنين من منظومة التموين يجب التعامل معه بحساسية شديدة، لأنه لا يتعلق فقط بأرقام الموازنة، بل يمس حياة ملايين الأسر وثقة المواطن في عدالة السياسات العامة.

 

ترشيد الدعم مطلوب

 

 وأوضح في تصريحات خاصة لموقع بلدنا اليوم، أن ترشيد الدعم مطلوب، لكن بشرط أن يتم بطريقة دقيقة وعادلة لا تضر بالفئات التي تبدو ظاهريًا قادرة، بينما هي فعليًا تعاني من ضغوط معيشية كبيرة.

 

 

وأضاف غنيم، أن الدولة المصرية تنفق مبالغ ضخمة على الدعم والحماية الاجتماعية، حيث بلغت مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في الموازنة الجديدة نحو ٨٣٢.٣ مليار جنيه، كما بلغت مخصصات دعم السلع التموينية نحو ١٧٨.٣ مليار جنيه، وهذه الأرقام تؤكد أن الدولة لم تتخل عن دورها الاجتماعي، بل تحاول إعادة توجيه الموارد بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

 

منظومة الخبز والتموين من أكبر منظومات الدعم 

 

وتابع غنيم، أن منظومة الخبز والتموين من أكبر منظومات الدعم في المنطقة، حيث يستفيد من دعم الخبز نحو ٧١ مليون مواطن، بينما يحصل المستفيدون من البطاقات التموينية على دعم نقدي سلعي يبلغ في المتوسط نحو ٥٠ جنيهًا للفرد شهريًا، إلى جانب الخبز المدعم الذي ما زال يمثل أحد أهم أدوات الحماية الغذائية للأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

 

 

واستكمل غنيم، أن استبعاد فئات من الطبقة الوسطى، مثل بعض أصحاب المهن الحرة ومنهم المحامون، قد يحقق وفرًا ماليًا محدودًا للدولة، لكنه قد يخلق أثرًا اجتماعيًا أكبر من الوفر إذا لم يتم تطبيقه بدقة. فالدخل في المهن الحرة غير ثابت، وقد يكون الشخص مالكًا لمكتب أو سيارة لكنه يعاني فعليًا من تذبذب شديد في الدخل وارتفاع في الالتزامات.

 

الطبقة الوسطى هي صمام الأمان الاجتماعي

 

وأشار إلى أن الطبقة الوسطى هي صمام الأمان الاجتماعي في أي دولة، وأي سياسة دعم يجب أن تراعي أنها الأكثر تعرضًا للضغط عند ارتفاع الأسعار وتكاليف التعليم والصحة والسكن، ولذلك فإن استبعادها بناءً على مؤشرات شكلية قد يؤدي إلى شعور بالظلم ويضعف الثقة في منظومة الاستهداف.

 

 

ونوه غنيم، إلي أن الوفر المالي الناتج عن تنقية قواعد الدعم يصبح مبررًا اقتصاديًا فقط إذا كان سيعاد توجيهه إلى الفئات الأكثر احتياجًا أو إلى تحسين قيمة الدعم نفسه، أما إذا تم الحذف دون شفافية أو دون آلية تظلم فعالة، فقد تكون التكلفة الاجتماعية أعلى من العائد المالي.

 

وذكر أن التجارب العالمية الناجحة في ترشيد الدعم، مثل تجربة البرازيل في برنامج Bolsa Família، وتجربة المكسيك في برامج الدعم النقدي المشروط، وتجربة الهند في التحويلات المباشرة، أثبتت أن الدعم النقدي أو الموجه يمكن أن يكون أكثر كفاءة من الدعم العيني، بشرط وجود قواعد بيانات دقيقة وتحديث مستمر وربط الدعم بمؤشرات اجتماعية واقتصادية حقيقية.

 

 

ولفت غنيم، إلي أن البرازيل نجحت في ربط الدعم النقدي بالتعليم والصحة، بينما اعتمدت الهند على الهوية الرقمية والحسابات البنكية والتحويلات المباشرة لتقليل التسرب والهدر، وهذه التجارب تؤكد أن المشكلة ليست في الدعم النقدي أو العيني وحده، بل في جودة الاستهداف وقوة البيانات وعدالة التطبيق.

 

وأشار إلى أن مصر لديها تجربة مهمة يمكن البناء عليها، وهي برنامج تكافل وكرامة، الذي أصبح يغطي نحو ٤.٧ مليون أسرة، ويخدم بصورة مباشرة وغير مباشرة ما يقرب من ١٧ مليون مواطن، كما ارتفعت مخصصات برامج الحماية الاجتماعية النقدية إلى نحو ٥٥.٣ مليار جنيه، وهو ما يعكس توسعًا كبيرًا في الحماية الاجتماعية خلال الجمهورية الجديدة.

 

 

وأضاف غنيم، أن الآليات الحالية لتنقية بطاقات التموين تحتاج إلى تطوير أكبر، لأن الاعتماد على مؤشر واحد مثل امتلاك سيارة حديثة أو عقار في مدينة جديدة لا يكفي وحده للحكم على القدرة المالية للأسرة، فهناك أسر تمتلك أصلًا غير سائل لكنها لا تمتلك دخلًا منتظمًا، وهناك أسر تتحمل التزامات ديون أو تعليم أو علاج تجعل قدرتها الفعلية على الإنفاق محدودة.

 

وأوضح أن موديل السيارة قد يكون مؤشرًا أوليًا، لكنه ليس دليلًا قاطعًا على الثراء، لأن السيارة قد تكون ممولة بقرض أو تستخدم كمصدر رزق أو مملوكة منذ فترة طويلة، وكذلك امتلاك وحدة عقارية في مدينة جديدة لا يعني بالضرورة وجود دخل مرتفع، خاصة إذا كانت الوحدة بالتقسيط أو غير مدرة للدخل.

 

 

وتابع غنيم، أن المؤشرات الأدق لقياس الاستحقاق يجب أن تشمل الدخل الفعلي والمتوسط الشهري خلال فترة زمنية كافية، وحجم الأسرة، وعدد المعالين، ومصروفات التعليم والصحة، ونمط الاستهلاك، والالتزامات التمويلية، ومكان السكن، وحالة العمل، ومدى انتظام الدخل.

 

وأشار إلى أن أصحاب الدخول غير الثابتة يحتاجون إلى آلية خاصة في قواعد الاستهداف، لأن دخلهم قد يرتفع في شهر وينخفض في أشهر أخرى. ولذلك من الأفضل الاعتماد على متوسط دخل سنوي أو نصف سنوي بدلًا من قراءة لحظية قد تظلم فئات واسعة من المهنيين والحرفيين وأصحاب المشروعات الصغيرة.

 

 

وأضاف غنيم، أن تحديث قواعد البيانات يجب أن يتم من خلال التكامل بين قواعد بيانات التموين، والتأمينات، والضرائب، والسجل العقاري، والمرور، والكهرباء، والمياه، والاتصالات، لكن مع وجود درجة عالية من الحوكمة وحماية البيانات الشخصية، فالتحول الرقمي يمنح الدولة أدوات قوية للاستهداف، لكنه يحتاج إلى ضوابط تمنع الخطأ والازدواجية.

 

 

وأوضح أن أهم ضمانة لعدالة الاستبعاد هي وجود نظام تظلمات سريع وفعال وشفاف، بحيث يستطيع المواطن الذي تم حذفه بالخطأ أن يثبت موقفه بسهولة ودون إجراءات مرهقة، فوجود التظلم ليس رفاهية إدارية، بل شرط أساسي لنجاح أي عملية تنقية للدعم.

 

 

وتابع غنيم، أن التحول التدريجي نحو الدعم النقدي قد يكون أكثر كفاءة لمصر على المدى المتوسط، لأنه يقلل الهدر والتسرب ويمنح الأسرة حرية أكبر في تحديد احتياجاتها. لكنه شدد على أن هذا التحول يجب أن يتم تدريجيًا وبحساب دقيق، مع مراجعة قيمة الدعم دوريًا حتى لا تلتهمه موجات التضخم.

 

 

وأشار إلى أن الدعم النقدي يحتاج إلى مسؤولية ورشد من المستفيد، وإلى توعية مجتمعية حتى لا يتحول الدعم إلى إنفاق غير منتج. كما يحتاج إلى ربطه جزئيًا بمؤشرات مثل التعليم والصحة، حتى يتحول من مجرد مساعدة مالية إلى أداة لتحسين رأس المال البشري.

 

 

وأضاف غنيم، أن الهدف من تنقية الدعم ليس تقليل الإنفاق الاجتماعي، بل رفع كفاءته. فكل جنيه يتم توفيره من غير المستحق يجب أن يذهب إلى الأسرة الأشد احتياجًا، أو إلى تحسين جودة التعليم والصحة، أو إلى زيادة قيمة الدعم للفئات التي تضررت من التضخم.

 

 

واختتم الدكتور أيمن غنيم، تصريحه بالتأكيد على أن ترشيد منظومة التموين ضرورة اقتصادية، لكن نجاحها يتوقف على العدالة والدقة والشفافية، مضيفا أن الجمهورية الجديدة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي وسعت مظلة الحماية الاجتماعية بصورة غير مسبوقة، والمطلوب الآن هو تطوير أدوات الاستهداف بحيث يصل الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين دون ظلم الطبقة الوسطى أو أصحاب الدخول غير المنتظمة، وبما يحقق التوازن بين كفاءة الإنفاق العام والاستقرار الاجتماعي.

تم نسخ الرابط