هل تتشكل قوة إقليمية جديدة بقيادة مصر لمواجهة التهديدات القادمة؟|تقرير خاص
مصر .. تشكل المتغيرات الأخيرة في الشرق الأوسط ملامح مرحلة جديدة من التوازنات الجيوسياسية، تمهد الطريق لإمكانية بروز تكتل إسلامي عربي قادر على كبح التمدد الاستراتيجي الإسرائيلي بمساعدات خفية من بعض الدول.
علاقات دفاعية

أوضح خبير العلاقات الدولية يسري عبيد، أن ما يثار بشأن إمكانية قيام تحالف عسكري يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان لا يزال في إطار النقاشات والافتراضات، موضحا أنه لا توجد حتى الآن أدلة أو مؤشرات تؤكد وجود تحالف رباعي رسمي بين هذه الدول بهدف مواجهة إسرائيل، وأن العلاقات الدفاعية لكل دولة ما زالت تحكمها اعتبارات وطنية وإقليمية ودولية متغيرة.
وأضاف أن أي تعاون قد ينشأ بين هذه الدول سيبقى في إطار الشراكات الدفاعية وتبادل الخبرات والتنسيق الاستراتيجي لتعزيز القدرات العسكرية ورفع مستوى الجاهزية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الإقليمي، مع احتفاظ كل دولة باستقلالية قرارها السياسي والعسكري، خاصة في ظل وجود عوامل خارجية تجعل من الصعب تحول هذا التنسيق إلى تحالف عسكري رسمي.
تعزيز الأمن

وأكد خبير العلاقات الدولية د.طارق البرديسي أنه ليس من الدقة وصف ما يجري بأنه تحالف ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل، موضحًا أن المشهد الإقليمي أكثر تعقيدا، وأن ما يحدث يمثل إعادة رسم لخريطة التوازنات في الشرق الأوسط، في ظل سعي دول المنطقة إلى توسيع شراكاتها وتنويع تحالفاتها بما يضمن استقلال قرارها السياسي وعدم الارتهان لطرف دولي واحد.
وأضاف أن مصر والسعودية وقطر وتركيا وباكستان لكل منها أولوياتها ومصالحها الوطنية وقد تتقاطع في ملفات الأمن والدفاع والاستثمار لكنها لا تتحرك ككتلة موحدة ضد أي طرف، مشيرا إلى أن الرسالة الأساسية تتمثل في رغبة دول الإقليم في تعزيز أمنها واستقرارها بقرارها الوطني، مع الاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية وشراكاتها الإقليمية لمواجهة التحديات، دون أن يعني ذلك تشكيل محور إسلامي معلن ضد أمريكا أو إسرائيل.
المنطقة العربية والأفريقية والأوسطية أصبحت مركز الثقل

قال اللواء عصام عطا الله قائد كتائب سام 7 الأسبق في الجيش المصري، إن المنطقة المحلية الأكثر تمركزا أصبحت تتمثل في المنطقة العربية والأفريقية والأوسطية، مؤكدا أن معادلات التوازن والزعامة التي سادت لسنوات تغيرت بصورة واضحة بعد الحرب الإيرانية، إذ أثبتت التطورات أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على أداء الدور الذي كانت تقوم به في السابق.
وأضاف أن الحرب أظهرت عجز واشنطن عن توفير مظلة الحماية لحلفائها في المنطقة، وهو ما دفع دولا مثل السعودية والكويت وتركيا إلى إعادة النظر في حساباتها الاستراتيجية، والبحث عن مسارات جديدة تحقق أهدافها الوجودية وتحافظ على مصالحها بعيدا عن الاعتماد الكامل على أمريكا.
بداية تشكل مركز إقليمي جديد
وأوضح عطا الله أن بوادر هذا الاتجاه الجديد ظهرت بالفعل من خلال التحركات السياسية والعسكرية الأخيرة، مشيرا إلى زيارة الرئيس السيسي إلى الإمارات والتي اصطحب خلالها طائرات ومقاتلين مصريين، معتبرا أن هذا يحمل رسائل تؤكد قدرة مصر على حماية محيطها الإقليمي عندما تقتضي الضرورة.
وأشار إلى أن تركيا بدورها أعادت ترتيب أولوياتها بعد المواقف المتعلقة بجماعة الإخوان والأزمة الليبية، لافتا إلى أنها أدركت أهمية مصر ، خاصة بعد تطورات غزة، وأصبحت تبحث عن التقارب مع القاهرة وتقديم ما يثبت حسن النية تجاهها.
المثلث الرئيسي في المنطقة
وأكد عطا الله أن الدول الثلاث الكبرى في المنطقة هي مصر والسعودية وتركيا، و لكن المؤكد أن هذه الدول الثلاث تمتلك المقومات التي تؤهلها لتحقيق المركزية والتأثير والسيطرة في المنطقة.
وأضاف أن تركيا تتحرك وفق منطق المصلحة، بينما تمتلك السعودية ومصر عناصر القوة والتأثير، وهو ما يجعل هذا الثلاثي قادرا على قيادة مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي.
سندا للتكتل
وأشار إلى أن القوة المساندة لهذا التوجه تتمثل في باكستان، مؤكدا أنها دولة تمتلك قوة عسكرية ونووية، ولا يخفى على أحد أن السعودية ساهمت في تمويل المشروع النووي الباكستاني.
وأضاف أن باكستان لعبت دورا بالغ الأهمية في الحوار والمفاوضات التي هدفت إلى وقف الحرب على إيران، وهو ما يؤكد أنها تمتلك إلى جانب قوتها العسكرية، ثقلا سياسيا واقتصاديا، يجعلها عنصرًا داعمًا للتكتل الذي تقوده مصر والسعودية وتركيا.
البحث عن البديل
وأوضح أن الدول التي تأثرت بشكل مباشر بالحرب الإيرانية، وفي مقدمتها الإمارات والكويت والبحرين وقطر، اكتشفت أن الضمانات الأمنية الأمريكية لم تكن كافية، بعدما تعرضت لتداعيات الحرب والخسائر الناتجة عنها.
وأضاف أن فشل الولايات المتحدة في توفير الحماية التي تعهدت بها جعل هذه الدول تبحث عن مصالحها من خلال التقارب مع المثلث الذي يضم السعودية ومصر وتركيا مدعوما بباكستان، مشددا على أن الهدف ليس الدخول في حروب، وإنما توفير مظلة إقليمية للتعاون بين الدول الإسلامية والعربية.
تحالف مصالح
وأكد عطا الله أن ما يتشكل حاليا يمكن اعتباره تحالفا لكنه ليس تحالفا عسكريا بالمعنى التقليدي، وإنما تحالف مصالح مركزية تفرضه الظروف الإقليمية، موضحا أن هذه الدول أصبحت مطالبة بالوقوف إلى جانب بعضها البعض في ظل منطقة مشتعلة ستظل معرضة للتوتر لفترة طويلة.
وأضاف أن إنهاء حالة الاشتعال لن يتحقق إلا من خلال القوة والتكتلات، مشيرا إلى أن العالم بأسره أصبح يعتمد على التكتلات، مستشهدا بالاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، والتكتلات التي تعمل الولايات المتحدة نفسها على بنائها لحماية مصالحها.
الإمبراطورية الأمريكية تتراجع
وتابع عطا الله تصريحاته بالتأكيد على أن العالم يعيش مرحلة تحول تاريخية لا تزال أبعادها غير مكتملة، موضحًا أن التاريخ شهد صعود وسقوط إمبراطوريات، حيث تراجعت الإمبراطورية البريطانية لتصعد الولايات المتحدة مكانها.
وأضاف أن الدلالات الحالية تشير إلى بداية تراجع النفوذ الأمريكي، مقابل صعود أدوار المنطقة العربية والأفريقية والأوسطية، إلى جانب روسيا والصين، معتبرا أن هذه التحولات تعكس تغيرا في موازين القوى الدولية خلال المرحلة المقبلة.