إيهاب الديك يكتب: ليس كلُّ ذَكَرٍ رجلًا.. فالرجولة مسؤولية وصونٌ للعرض
ليست الرجولةُ في ملامحَ خشنة، ولا في صوتٍ مرتفع، ولا في قدرةٍ على السيطرة وفرض الأمر؛ فالرجولة الحقيقية موقفٌ ومسؤولية، ووفاءٌ وأمانة، وأعظمُ مظاهرها أن يعرف الرجل قيمة بيته، وأن يصون عرضه، ويحفظ كرامة زوجته، وألا يجعل خصوصيات أسرته مادةً للعرض أمام الغرباء.
وفي زمن أصبحت فيه الشهرة أقربَ من أي وقتٍ مضى، وانتشرت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «تيك توك»، ظهرت ظاهرة مؤسفة تتمثل في بعض الأزواج والزوجات الذين يعرضون تفاصيل حياتهم الخاصة أمام ملايين المشاهدين، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى تقديم محتوى يخدش الحياء ويتجاوز حدود الخصوصية، فقط من أجل المشاهدات والتعليقات وتحقيق الانتشار.
وهنا يبرز السؤال: أين مسؤولية الرجل عن بيته وعِرضه؟
الرجل الذي يقدّر معنى القوامة والمسؤولية لا يجعل زوجته وسيلةً لجذب المشاهدات، ولا يحوّل حياته الزوجية إلى مسرحٍ مفتوح لكل عابرٍ على مواقع التواصل.
فالزوجة ليست مادةً للترفيه، والبيت ليس استوديو مفتوحًا، والعلاقة الزوجية ليست مشهدًا يُعرض على الناس من أجل تصفيقٍ عابر أو رقمٍ مرتفع في عدّاد المشاهدات.
إنّ بعض ما يُقدَّم تحت شعار «الترند» لا يتوقف عند حدود الجرأة، بل يتجاوزها إلى هدم الحواجز التي ينبغي أن تبقى قائمة بين الحياة الخاصة والحياة العامة. ومع تكرار هذا النوع من المحتوى، قد يصبح تجاوز الخصوصية أمرًا عاديًا، ويعتاد الإنسان أن يبيع جزءًا من حياته الخاصة في مقابل مزيدٍ من الشهرة.
والرجل الحقيقي لا يخشى على صورته أمام الناس بقدر ما يخشى على حرمة بيته وكرامة أسرته.
ولا تعني الغيرة أن يتحول الرجل إلى سجانٍ لزوجته، ولا تعني المسؤولية مصادرة حريتها أو شخصيتها؛ فالمرأة شريكةٌ كاملة في صناعة القرار، وهي كذلك مسؤولة عن اختياراتها وحدود ظهورها. ولكن الزواج شراكةٌ تقوم على الاحترام، ومن الاحترام أن يتفق الزوجان على ما يجوز نشره وما ينبغي أن يبقى داخل جدران البيت.
أما ملاحقة المشاهدات بـ«كبسة» جديدة كل يوم، وتحويل الجرأة إلى وسيلة للشهرة، فليست نجاحًا حقيقيًا، مهما ارتفع عدد المتابعين.
فالترند ينتهي، والمشاهدات تتراجع، أما ما يُنشر على الإنترنت فقد يبقى شاهدًا على صاحبه سنواتٍ طويلة.
الرجولة في عصر مواقع التواصل ليست أن تكون الأكثر جرأة أمام الكاميرا، وإنما أن تكون الأكثر وعيًا بما يجب أن يُقال وما يجب أن يُستر، وما يجوز أن يراه الناس وما يجب أن يبقى سرًّا بين الزوجين.
ليس كلُّ ذَكَرٍ رجلًا؛ فالرجل هو من يعرف قيمة المسؤولية، ويصون عرضه، ويحفظ كرامة زوجته، ويعرف أن بعض الأبواب لا تُفتح أمام الكاميرات، وأن حرمة البيت أكبر من أي مشاهدة، وأبقى من أي ترند.


