"الخصم المباشر" والدعم النقدي.. هل تنجح إصلاحات الخبز في إنقاذ رغيف المواطن؟
تواجه منظومة الخبز المدعم تحولات جديدة بين تطبيق "الخصم المباشر" والحديث عن "الدعم النقدي"، في وقت تؤكد فيه وزارة التموين ثبات سعر الرغيف وحصة المواطن، بينما يشتكي أصحاب المخابز من تزايد الأعباء وتكاليف التشغيل.
ورغم أن الهدف من الإصلاحات هو ترشيد الإنفاق وضبط الهدر، إلا أن المواطن لم يلمس أي تغيير حتى الآن، لتبقى التساؤلات قائمة حول مدى نجاح المنظومة في الموازنة بين حقوق الدولة والمخابز والمستهلك.
"5 أرغفة للفرد يوميا.. لا تغيير في منظومة الخبز
وفي هذا السياق، أكد خالد صبري، المتحدث الرسمي باسم شعبة المخابز، أن منظومة الخبز المدعم تعد من أهم السلع الاستراتيجية في مصر، مشددا على أن أي تغيرات في أسعار مستلزمات الإنتاج لا تؤثر بشكل مباشر على سعر الخبز المدعم، لأن تحديد تكاليف إنتاجه يتم من خلال وزارة التموين باعتبارها الجهة المسؤولة عن المنظومة.
وقال "صبري"، إن المواطن لم يشعر بأي تغيير في منظومة الخبز المدعم، حيث ما زال نصيب الفرد ثابتا عند 5 أرغفة يوميا، كما تستمر المخابز في العمل وفق المواعيد المعتادة من الخامسة صباحا وحتى الخامسة مساء لتوفير الخبز للمواطنين بشكل منتظم.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الكهرباء أو السولار أو المياه أو الخميرة يمثل متغيرات تخص تكلفة الإنتاج، لكنها لا تنعكس على سعر رغيف الخبز المدعم، لافتا إلى أن هذه المتغيرات قد يكون تأثيرها أكبر على المخابز السياحية.
وأشار المتحدث الرسمي، إلى أن أبرز المخالفات التي يتم رصدها داخل بعض المخابز تتمثل في نقص الوزن أو عدم الالتزام بالمواصفات، موضحا أن طبيعة صناعة الخبز تعتمد بشكل كبير على العنصر البشري، وهو ما قد يؤدي أحيانا إلى أخطاء خلال مراحل الإنتاج، إلا أن الرقابة تتعامل مع أي مخالفة وفقا للقوانين المنظمة.
وأكد "صبري"، عدم وجود ما يسمى بسرقة الدقيق في منظومة الخبز الحالية، موضحا أن العمل يتم وفق نظام الاستعاضة الإلكتروني، حيث يتم تسجيل كميات الدقيق المستخدمة وعدد الأرغفة المنتجة عبر المنظومة الإلكترونية، ويتم تحديد الكميات المستحقة للمخبز وفق معدلات الإنتاج الفعلية.
وحول العقوبات المقررة على المخالفين، شدد على أن العقوبة الرادعة تعد أحد أهم عوامل ضبط المنظومة، مؤكدا أن أصحاب المخابز الملتزمين لا يخشون أي إجراءات قانونية لأنهم لا يرتكبون مخالفات، بينما يتحمل المخالف نتائج تجاوزه.
وأضاف أن الأمور بدأت في الاستقرار تدريجيا بعد الأيام الأولى من التطبيق، وأن هناك ترتيبات جديدة لتسهيل عمليات تحويل الأموال بين المخابز والمطاحن من خلال شركات متخصصة، بما يخفف الأعباء عن أصحاب المخابز ويتيح لهم التركيز على إنتاج الخبز.
وأستكمل "صبري"، أن الهدف الأساسي من تطوير المنظومة هو الحفاظ على انتظام إنتاج الخبز المدعم وضمان حقوق جميع الأطراف داخل منظومة الدعم، مشيرا إلى استمرار التعاون مع الجهات المعنية لتذليل أي عقبات تواجه أصحاب المخابز.
إغلاق المخابز مستمر قبل وبعد "الخصم المباشر" بسبب المخالفات
في حين أرجع عبدالرحمن نصر رئيس شعبة مخابز المنيا، عضوا الشعبه العامة، أسباب إغلاق عدد كبير من المخابز في القرى إلى تراكم المخالفات، مؤكدا أن الظاهرة موجودة قبل تطبيق منظومة الخصم المباشر واستمرت بعدها.
وأوضح "نصر"، أن أهم الأسباب التي أدت إلى غلق المخابز تتمثل في توقيع غرامات متكررة، وعدم تفعيل الحسابات البنكية الخاصة بأصحاب المخابز، بالإضافة إلى ممارسات مخالفة للقانون.
وكشف عن وجود مخالفة شائعة في بعض المحافظات مثل الشرقية والإسماعيلية ومناطق القصاصين والصالحية، حيث يقوم بعض أصحاب المخابز بتسليم الماكينة الخاصة بهم إلى مخبز آخر بدعوى انخفاض الكثافة السكانية في منطقته، بينما يستمر المخبز الآخر في العمل.
وشدد على أن هذا الإجراء يعد مخالفة صريحة، ويعرض الطرفين للمساءلة القانونية، قائلا تشغيل ماكينة خارج الفرن يعتبر مخالفة تستوجب الغلق وسحب الترخيص، وعند ضبط الماكينة يتم تحرير محضر للطرفين وتوقيع نفس العقوبة.
وردا على سؤال حول ضعف الرقابة، أكد أن أجهزة التموين تقوم بحملات تفتيش مستمرة، والدليل هو ضبط المخالفين وغلق مخابزهم، مضيفا رغم ذلك لا تزال بعض المخابز المخالفة تعمل حتى الآن، حتى بعد تطبيق منظومة الخصم المباشر، لأن صاحب المخبز يعرض نفسه لخطر الغلق والغرامة المضاعفة.
وطالب "نصر"، وزارة التموين بوضع ضمانات واضحة لحماية المخابز الموجودة في المناطق النائية بعد تطبيق منظومة الخصم المباشر، وأهمها تأمين مستحقات أيام الجمعة والسبت، قائلا نطالب الوزارة بتحديد آلية واضحة للسداد، متسائلا هل سيتم ضخ الأموال بشكل شبه يومي يشمل الخميس والجمعة، أم سيكون السداد آجلا؟ حتى الآن لم نتلق ردا واضحا من الوزارة.
وعن تقييمه لمنظومة الخصم المباشر، أكد "نصر"، أنها لم تحقق أي إيجابيات لأصحاب المخابز حتى الآن، وإنما زادت من الأعباء عليهم، موضحا أن المنظومة تسببت في زيادة المصروفات وتكاليف التشغيل، مثل مصاريف التنقل بين المطحن والمخبز، وسحب الأموال من البنك، وضياع وقت كبير دون أي عائد، أما المواطن فلم يشعر بأي تغيير، فهو لا يزال يحصل على رغيف وزن 90 جراما بسعر جنيه واحد.
التوجه نحو الدعم النقدي للخبز يوفر المهدر ويحتاج مراجعة دورية
وبدوره، أكد مصطفى بدرة الخبير الاقتصادي، أن الدولة تتجه حاليا للاستغناء التدريجي عن الدعم العيني للخبز والسلع التموينية والتحول إلى منظومة "الدعم النقدي"، مشيرا إلى أن هذه الآلية قد تكون الأنسب للمرحلة الحالية في ظل الأعباء على الموازنة العامة.
وقال "بدرة"، إن هناك دراسة جارية لتطبيق الدعم النقدي على عدد من المحافظات كمرحلة أولى، لافتا إلى أن الحكومة أعلنت عزمها البدء في تطبيقه خلال موازنة العام المالي الجديد 2025 / 2026 والتي انطلقت في الأول من يوليو 2025.
وأوضح أن هذا التوجه يأتي في إطار إعادة هيكلة معايير احتساب الدعم في الموازنة، بما يسهم في تقليل حجم الفاقد والهدر المرتبط بمنظومة الدعم العيني، مضيفا أن هذا التصور تعمل عليه وزارة التموين حاليا.
وردا على سؤال حول كيفية ضمان أن تكون قيمة الدعم النقدي كافية ومواكبة لمعدلات التضخم، أوضح الخبير الاقتصادي، أنه من الضروري إجراء مراجعة دورية لقيمة الدعم، مؤكدا يجب أن تتم مراجعة قيمة الدعم النقدي كل 3 أشهر أو 6 أشهر أو سنويا على الأقل، وربطها بمعدلات التضخم، مؤكدا أن الفكرة هي تحويل قيمة سلة السلع التي كانت تقدمها الدولة إلى مبلغ نقدي.
واستكمل "بدرة"، إذا كانت تكلفة هذه السلة 100 أو 200 جنيه اليوم، وزادت تكلفتها بعد 3 أشهر بسبب التضخم، فيجب على الدولة أن تزيد قيمة الدعم النقدي بنفس النسبة، أما إذا انخفضت الأسعار فيبقى المبلغ كما هو".
وعن وجود تجارب دولية ناجحة في هذا الملف، قال "بدرة"، نعم هناك تجارب دولية ناجحة، ولكن الأهم أن نعتمد على تجربتنا الخاصة في مصر، مؤكدا يجب أن نبني المنظومة وفقا لطبيعة استهلاكنا وظروفنا، وأن نخضع التجربة لمراجعة دورية كل 3 أو 6 أشهر.
وشدد على أهمية البدء بتطبيق تجريبي للدعم النقدي في عدد محدود من المحافظات قبل التعميم على مستوى الجمهورية، خاصة في محافظات الصعيد والحدود، وذلك لحصر الإيجابيات والسلبيات وتقييم الفرص والتهديدات.
وأشار إلى أن أبرز 3 مخاطر للتطبيق تتمثل في عدم وصول الدعم لمستحقيه كما يحدث في بعض حالات التأمينات والمعاشات، وتآكل قيمة الدعم بسبب التضخم في حال عدم وجود آلية مراجعة دورية، وظهور عيوب فنية وإدارية على أرض الواقع لن تتضح إلا من خلال التطبيق الفعلي.
واختتم الخبير الإقتصادي، حديثه قائلا لابد إن نرى التجربة على أرض الواقع أولا، ونحدد ما لها وما عليها، حتى لا نعمم منظومة بها عيوب تؤثر على المواطنين.