من الصرف إلى الزراعة.. كيف تتحول مياه المعالجة في سوهاج إلى مورد إضافي؟
لم تعد مياه الصرف الصحي مجرد مياه مستعملة تنتهي رحلتها داخل محطة المعالجة، فمع الاتجاه إلى تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، أصبحت المياه المعالجة تدخل في استخدامات محددة، من بينها ري الغابات الشجرية والمسطحات الخضراء، وفقًا لدرجة المعالجة ونوعية المياه والاشتراطات المنظمة لكل استخدام.

وفي سوهاج، تظهر ملامح هذا التوجه من خلال عدد من محطات المعالجة التي تتضمن مراحل متقدمة للمعالجة، إلى جانب مشروعات تستفيد من المياه المعالجة في استصلاح واستزراع الغابات الشجرية، وهو ما يطرح سؤالًا رئيسياً:
هل يمكن أن تتحول المياه المعالجة إلى مورد إضافي للمحافظة؟
ولفت إلى أن وصف المياه بأنها «معالجة ثلاثيًا» لا يعني صلاحيتها لكل الاستخدامات، وإنما يحدد مستوى من الجودة يمكن معه توجيهها إلى أغراض معينة متى استوفت الاشتراطات الخاصة بها.
ولا تتوقف الاستفادة من المياه عند خروجها من المحطة؛ إذ يستهدف مشروع استصلاح الغابات الشجرية الذي أطلقته شركة مياه الشرب والصرف الصحي بسوهاج إعادة توظيف المياه المعالجة في استصلاح واستزراع الغابات، بما يدعم زيادة المساحات الخضراء والاستفادة من الموارد المتاحة.
ويعتمد المشروع على الشراكة وحق الانتفاع مع القطاع الخاص في أعمال الاستصلاح والزراعة والتشغيل والصيانة، مع استمرار ملكية الدولة للأصول، بما يجمع بين إعادة استخدام المياه المعالجة والاستفادة الاقتصادية والبيئية من المشروع.
المعالجة التقليدية والثلاثية.. أين يكمن الفارق؟
وأوضح المهندس محمد السيد، رئيس قطاع الصرف الصحي بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بسوهاج، أن المعالجة التقليدية تستهدف إزالة المواد الصلبة والمواد العضوية والملوثات من مياه الصرف بدرجات مختلفة، قبل التخلص من المياه المعالجة أو استخدامها وفق مستوى المعالجة المسموح.
وبين “السيد” في تصريحات لـ"بلدنا اليوم" أن المعالجة الثلاثية تضيف مراحل متقدمة لرفع جودة المياه، وقد تشمل الترشيح والتطهير وخفض بعض الملوثات والمؤشرات الميكروبيولوجية، وفق طبيعة المحطة والاستخدام النهائي، وبالتالي، فإن الفارق لا يرتبط بعدد مراحل المعالجة فقط، وإنما بجودة المياه الناتجة ومدى مطابقتها للاستخدام الذي ستوجه إليه.
محطات سوهاج.. نماذج لإعادة الاستخدام
وتضم سوهاج عددًا من المشروعات التي تعتمد المعالجة الثلاثية أو تتضمن مراحل متقدمة من معالجة مياه الصرف.
وتأتي محطة معالجة الصرف الصحي بالهجارسة بمركز سوهاج ضمن النماذج المحلية، بطاقة تصميمية تبلغ نحو 2500 متر مكعب يوميًا، وتخدم الهجارسة والكوامل وأولاد غريب إلى جانب جامعة سوهاج الجديدة بالكوامل، مع الاستفادة من المياه المعالجة في أغراض مرتبطة بالغابات الشجرية وإعادة الاستخدام الآمن.
وفي مدينة سوهاج الجديدة تعمل محطة المعالجة الثلاثية بطاقة 12 ألف متر مكعب يوميًا في المرحلة الأولى، ضمن طاقة تصميمية إجمالية تصل إلى 36 ألف متر مكعب يوميًا عند اكتمال مراحل المشروع، وتستخدم المياه المعالجة في ري الغابات الشجرية والمسطحات الخضراء بالمدينة من خلال منظومة مخصصة لذلك.
كما تعد محطة معالجة صرف صحي سوهاج غرب من المشروعات الكبيرة بطاقة تصميمية إجمالية تبلغ نحو 50 ألف متر مكعب يوميًا، مع أعمال توسعة ورفع كفاءة لمراحل المعالجة، إلى جانب إجراء تحاليل كيميائية وميكروبيولوجية للتأكد من مطابقة المياه المعالجة للمواصفات.
وتبلغ الطاقة التصميمية لمحطة الكولا بمركز أخميم نحو 55 ألف متر مكعب يوميًا، وتشمل المنظومة مراحل متقدمة لمعالجة المياه، إلى جانب أعمال إحلال وتجديد ورفع كفاءة بالمحطة.
ليست كل المحاصيل سواء
وقال الدكتور يوسف القاضي، مدير مركز البحوث الزراعية بشندويل، إن المياه المعالجة يمكن أن توفر للنبات عناصر غذائية مهمة، من بينها النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم والمادة العضوية، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى بعض الأسمدة ويدعم نمو النباتات، فضلاً عن توفير مصدر مائي بديل في المناطق التي تعاني ندرة المياه.
وحذر “القاضي” في تصريحات لـ"بلدنا اليوم" من أن ضعف المعالجة أو غياب المتابعة قد يؤدي إلى تراكم بعض الملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة في التربة، فضلاً عن المخاطر المرتبطة ببقاء مسببات الأمراض، بما قد يؤثر على التربة والمحاصيل والسلسلة الغذائية.
وأوضح الدكتور أبوبكر الدقاق، مدير المحطة الإقليمية بمصر العليا التابعة لمركز البحوث الزراعية بشندويل بسوهاج، أن الأكواد والتشريعات المنظمة تحدد أنواع المحاصيل التي يمكن ريها بالمياه المعالجة بحسب درجة الأمان.
وأشار “الدقاق” إلى أن المياه المعالجة في درجاتها المختلفة يمكن توجيهها إلى استخدامات محددة، من بينها الأشجار الخشبية والغابات والمساحات الخضراء، إلى جانب بعض المحاصيل الصناعية وغير الغذائية والأعلاف والنباتات الطبية والعطرية وفق الضوابط المنظمة.
وأضاف أن المعالجة الثلاثية ترفع مستوى الأمان وتوسع نطاق الاستخدامات الممكنة لتشمل، وفق الاشتراطات، بعض الأشجار المثمرة والمحاصيل الحقلية التي يتم طهيها، إلى جانب الحدائق العامة والمناطق المفتوحة.
من المحطة إلى الحقل.. ضوابط لا تتوقف عند المياه
وأكد الدكتور علي عبد الجليل الشهير، أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة سوهاج، أن الاستخدام الآمن للمياه المعالجة لا يعتمد على جودة المياه وحدها، وإنما يرتبط كذلك بطريقة استخدامها داخل الأراضي الزراعية.
وأوضح “عبد الجليل” أن الضوابط تتضمن منع استخدام المياه المعالجة في ري الخضروات الطازجة التي تؤكل دون طهي، مع الاعتماد على طرق ري تقلل التلامس المباشر بين المياه والنبات والإنسان.
وأشار إلى أهمية اتخاذ إجراءات لحماية العاملين والمزارعين، إلى جانب الفصل الواضح بين شبكات المياه المعالجة وشبكات المياه الأخرى، لمنع حدوث أي اختلاط بينها.
الرقابة تمتد إلى التربة
ولا تتوقف عملية المتابعة عند تحليل المياه الخارجة من محطة المعالجة، إذ تمتد إلى التربة التي تستقبل المياه المعالجة.
وأوضح الدكتور محمد سليمان إبراهيم أحمد، أستاذ كيمياء وخصوبة الأراضي واستصلاح الأراضي المتأثرة بالأملاح، أن ضمان الاستخدام الآمن يتطلب إجراء فحوص دورية للمياه والتربة.
وأشار “سليمان” في تصريحات لـ"بلدنا اليوم" إلى أن عينات المياه تؤخذ من مخرج محطة المعالجة أو خط الري الرئيسي، بينما تجمع عينات التربة من أعماق مختلفة ومن مناطق متعددة داخل الحقل لضمان تمثيل نتائج التحليل للواقع الفعلي.
وتشمل المتابعة، بحسب ما أوضحه، فحوصًا ميكروبيولوجية للمياه، إلى جانب تحاليل كيميائية وقياسات للملوحة، وكذلك فحوصًا للعناصر الثقيلة في المياه والتربة لرصد أي تراكمات قد تؤثر على خصوبة الأرض وسلامة استخدامها.
ولفت إلى أن ارتفاع ملوحة التربة أو زيادة الصوديوم المتبادل أو ظهور تراكمات من عناصر مثل الكادميوم والرصاص يمثل مؤشرات تستوجب التدخل وتعديل نظام الاستخدام وفق نتائج الفحوص.

مورد إضافي.. ولكن بشروط
ويرى المهندس وليد عبد المحسن، وكيل وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بسوهاج، أن المياه المعالجة يمكن أن تمثل موردًا إضافياً للمحافظة، لكن في إطار الاستخدام الآمن والمنظم.
وأوضح “عبد المحسن” أن الاستفادة من المياه المعالجة في ري الأشجار والمسطحات الخضراء وبعض الاستخدامات الزراعية المسموح بها يمكن أن تقلل الحاجة إلى استخدام موارد مائية أعلى جودة في هذه الأغراض.
وأكد أن تحويل مياه الصرف إلى مورد مستدام يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل محطات معالجة كفؤة، وشبكات مخصصة لنقل المياه المعالجة، ومواقع استخدام تتوافق مع الاشتراطات، إلى جانب استمرار أعمال الرقابة والتحاليل.

وتكشف تجربة سوهاج أن رحلة مياه الصرف لا تنتهي عند محطة المعالجة، وإنما يمكن أن تبدأ بعدها مرحلة أخرى لإعادة الاستخدام، لكن نجاح هذه المرحلة يظل مرتبطاً بجودة المعالجة، وتحديد الاستخدام المناسب، والرقابة المستمرة على المياه والتربة، بما يحقق الاستفادة من مورد مائي إضافي دون الإخلال بالاشتراطات الصحية والبيئية