طاهر إدريس يكتب .. المولد النبوي الشريف .. عيد قلوب المحبين وفرحة العارفين
إن كان الناس يحتفلون بميلاد الملوك والزعماء، فنحن نحتفل بميلاد من لولاه ما كان ملك ولا مملكة، ولا دنيا ولا آخرة. نحتفل بميلاد الرحمة نفسها: "وما أَرسَلناكَ إِلَّا رحْمة للعالمين".
وعند أهل التصوف، المولد ليس يومًا في السنة بل هو حالة يعيشها القلب كل يوم.. لكنهم يجعلون من يوم مولده عيدا تجدد فيه البيعة وتحيى فيه القلوب.
لماذا يحتفل الصوفيون بالمولد بهذا الشوق؟
لأن الصوفي لا يرى النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مبلغ رسالة وانتهت بل يراه النور الأول، والسر الأعظم والباب الأوحد إلى الله.
"كان نبيًا وآدم بين الماء والطين".
فنحن لا نحتفل بشخص غاب بل بحقيقة حاضرة لا تغيب. نحتفل بالنور المحمدي الذي ما انطفأ يومًا في قلوب العارفين.
الاحتفال عندهم ليس بدعة بل هو شكر. ألم يصم النبي يوم الاثنين ؟ وقال : عليه السلام" حينما سأله الصحابة عن سبب صيامه في ذلك اليوم ذاك يوم ولدت فيه" فإذا كان هو يشكر الله على يوم مولده بالصيام، فنحن نشكر الله على يوم مولده بالصيام والقيام والذكر والفرح.
كيف يكون الاحتفال على الطريقة الصوفية؟
احتفال الصوفية ليس حلاوة تؤكل، ولا زينة تعلق فقط، وإن كانت مظاهر الفرح في شوارع مصر من القاهرة الحسين إلى ساحات الصعيد شاحات بحري هي عنوان محبة هذا الشعب.
احتفالهم الحقيقي له أربعة أركان هي .. الذكر والحضرة حيث يجتمعون في حلقة الذكر يذكرون الله فإذا ذكر الله ذكر حبيبه محمد صلي الله وسلم، وإذا ذكر الحبيب فاح عطر الوصل. يقومون على أقدام الشوق تتمايل أرواحهم لا أجسادهم .
ولا ننسي في مظاهر الاحتفال المديح النبوي فهم يقرأون البردة للإمام للبوصيري منشدين "
مولاي صل وسلم دائمًا أبدًا
على حبيبك خير الخلق كلهم"
فالمديح عندهم ليس شعرا بل هو صلاة بالكلمات ودموعٌ تترجم إلى حروف.
كذلك إطعام الطعام وصلة الرحم حيث لا يمر المولد في ساحة صوفية إلا والموائد مبسوطة والفقير قبل الغني يأكل لأنهم تعلموا من صاحب المولد أن "ما شبع مؤمن وجاره جائع".
وفي ذكره سبحانه لابد من مدارسة سيرته وأخلاقه فيجلس الشيخ مع مريديه لا ليحكي قصة مولد فقط، بل ليقول لهم: أين أنتم من رحمته؟ أين أنتم من صدقه؟ أين أنتم من تواضعه؟ المولد عندهم دعوة لحسن الأخلاق.
و لمن يقول : هل فعل الصحابة هذا؟
أقوللهم : وهل كان الصحابة يحتاجون لمن يذكرهم بحبه؟ كان الواحد منهم يفتديه بروحه، ويتبرك بعرقه، ويبكي إذا غاب عنه لحظة. كان حبه يجري في دمهم.
نحن نحتفل لأن قلوبنا قست، وبعدت المسافات، فاحتاجت من يذكرها. نحن نحتفل لأننا نحب والمحب معذور في إظهار فرحه.
الفرح به صلى الله عليه وسلم عبادة. ألم يفرح أبو لهب بمولده فخفف الله عنه العذاب كل يوم اثنين؟ فإذا كان هذا كافرا وفرح بمولده، فما بالك بمؤمن موحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟
إن احتفالنا هو عهد جديد.
عهد أن نقول للدنيا كلها: نحن نحب رسول الله أكثر من أنفسنا وأهلنا وأموالنا.
فأوقدوا الأنوار في بيوتكم، وأحيوا الذكر في قلوبكم، وأكثروا من الصلاة عليه، فإن صلاتكم معروضة عليه، وحبكم واصل إليه.