الاقتصاد المصري أمام اختبار ما بعد «الصندوق».. عالية المهدي تحذر: ترحيل الأزمات ليس إصلاحًا
بين ضغوط الداخل وتقلبات الخارج، يقف الاقتصاد المصري أمام مرحلة شديدة الحساسية من ارتفاع تكاليف الطاقة، واستمرار الضغوط التضخمية، مع االتخوف من تحركات أسعار الفائدة والعملات، وتأثيرات الصراعات الإقليمية والدولية، كلها عوامل تفرض أسئلة صعبة حول قدرة الاقتصاد على الحفاظ على استقراره وتحويل تحسن بعض المؤشرات الكلية إلى تحسن يشعر به المواطن في حياته اليومية.
ومع اقتراب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي مع مصر في أكتوبر، تتزايد أهمية النقاش حول ما بعد الصندوق: هل يستطيع الاقتصاد المصري الاعتماد على موارده وقدراته الذاتية، أم أن الحاجة إلى التمويل الخارجي ستظل قائمة؟ وماذا عن الأموال الساخنة التي أصبحت أحد مصادر تمويل الاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر الخروج السريع؟ وهل تمثل أدوات مثل الصكوك الضريبية حلًا مؤقتًا أم أنها تنقل أعباء الحاضر إلى المستقبل؟
وفي الحوار التالي نتناقش مع الدكتورة عالية المهدي، العميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حول أداء الاقتصاد المصري أمام المتغيرات الإقليمية والدولية، ومدى قدرته على العبور إلى مرحلة ما بعد صندوق النقد دون ترحيل الأزمات إلى المستقبل.
1- ما الفرق في تعامل الاقتصاد المصري مع الحرب الأمريكية الإيرانية مقارنة بالحرب الروسية الأوكرانية في 2022؟
الاقتصاد المصري تعامل مع الحربين بنفس الأداء تقريبا، مع اختلاف التأثيرات، فالأولى زادت من أسعار النفط وأفادت ممر قناة السويس، والثانية رفعت سعر القمح وزادت من أعداد السائحين أما خروج الأموال الساحنة في أبريل 2022 فكان أكثر ارتباطًا برفع الفائدة الأمريكية التي جذبت هذه الأموال، مع الاعتراف بأنها سببت مشكلة أكبر من ما نواجه حاليًا بسبب إصرار البنك المركزي على تثبيت سعر الصرف لمدة عام بداية من 2023 إلى مارس 2024 وذلك خطأ سياسات نقدية لا علاقة لها بالحرب، ومع تحرير سعر العملة الأن نرى التأثير أقل وطأة وبلا شك مرونة سعر الصرف أفضل من التثبيت.
2- ما رأيك في الأموال الساخنة وهل تمثل حلًا للاقتصاد؟
أحد أدوات التمويل ومعروفة في العالم كله إلا أن الاعتماد الأساسي عليها يهدد بحدوث أزمة في أي وقت حال خرجت لسبب طاريء بحثًا عن مزيد من الأرباح، ولا ننسى تأكيد وزير المالية السابق الدكتور محمد معيط خلال الحرب الروسية الأوكرانية أن الاعتماد على الأموال الساخنة أثبت خطئه ولن نكرره إلا أن الخطأ تكرر والمخاوف موجودة ويمكن تنظيمها بفرض آلية أو ضوابط لخروجها تجنبًا لحدوث أزمة مماثلة في حالة الخروج المفاجيء.

3- اقتراب انتهاء برنامج صندوق النقد مع مصر بات وشيكًا في أكتوبر.. كيف ترى الاقتصاد خلال فترة ما بعد الصندوق؟
بحسب تعامل المسؤولين عن السياسات المالية والنقدية، ولو طلبنا تمويلًا جديدًا من الصندوق أو أي جهات تمويل أخرى؛ إذا نحن نضيف عبئًا متزايدًا على الموازنة المرهقة والمثقلة بالدين وفوائده الذي يلتهم أكثر من نصف إيرادتها العامة، ولو نفذنا برنامجًا وطنيا مهما كانت التكلفة لكنه لا يعتمد على الاقتراض ويقلل لأدنى حد الإنفاق الحكومي مع تشجيع رأس المال المصري على الاستثمار وإنها كافة التعقيدات الإدارية التي يعلمها أصحاب القرار، حينها يمكن أن تتحسن الأمور للأفضل تدرجيا.. ببساطة الاقتراض أو بيع الأراضي لتوفير الأموال ليس حلًا اقتصاديًا وإنما تأجيل وترحيل للأزمات.
4- ما تعليقك على الصكوك الضريبية التي تجمع جزء من الضرائب المستقبلية على الشركات لتمويل الموازنة؟
لا أشعر بالارتياح تجاهها، فهي تأخذ اليوم من الحصيلة الضريبية المقررة في المستقبل، وماذا سنفعل في المستقبل؟!.. آراه افتتات على حق الأجيال القادمة، فما أخذته اليوم سيخلق أزمة غدًا وتدخلنا في دوامة التحصيل المسبق، لنصدر صكوك جديدة في المستقبل لنعيش الحاضر اعتمادًا على إيرادات المستقبل.
5- لماذا لا يشعر المواطن بتحسن في الحياة اليومية على الرغم من تحسن الأرقام الكلية للاقتصاد؟
ارتفاع أسعار المحروقات مع بداية الحرب الإيرانية ثم رفع أسعار الكهرباء واستمرار ارتفاع التضخم يلتهم تحسن الأرقام الكلية، أضف أن عجز الميزان التجاري لا يزال واضحًا، فالمنتجات السلعية المستوردة لا تزال أعلى من الصادرات بنحو 22 مليار دولار خلال النصف االأول من 2026.