بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

بلاغ إلى وزير الصحة.. من يحمينا من فوضى العيادات الخاصة؟

بلدنا اليوم


للمريض حق أصيل في أن يعرف ما يُجرى له وما يُستخدم معه، لكن يبدو أن السؤال عن هذا الحق قد يصبح في بعض العيادات غير مقبول: "اتعالج وادفع وانت ساكت!


في قصتي مع إحدى العيادات الخاصة، سألت سؤالًا بسيطًا، ماذا ستضعون على جسدي ما اسم المنتج؟ ومن الشركة المنتجة؟ وما مصدره؟ فجاء الصمت والمماطلة لأيام، ثم أرسلت إليّ العيادة صورة لمنتج، قررت التحقق منها باستخدام أدوات البحث البصري والذكاء الاصطناعي، فظهرت نتائج تربط الصورة، بحسب ما توصلت إليه، بطبيبة أخرى وعيادة مختلفة تمامًا.
 

لا أملك أن أسمي ذلك تضليلًا قبل تحقيق رسمي، ولا أن أستبدل جهة التحقيق بمحرك بحث أو أداة ذكاء اصطناعي. لكن أملك أن أطرح السؤال الذي لا يجوز تجاهله، كيف وصلت صورة مرتبطة بعيادة أخرى إلى مريض باعتبارها صورة المنتج الذي استُخدم معه، إذا ثبت بالفعل أنها تخص منتجًا أو جهة أخرى؟
 

وهنا لا تعود المسألة مجرد خلاف على خدمة أو مبلغ مالي، وإنما تصبح سؤالًا عن الشفافية، وسلامة التوثيق، وحق المريض في المعرفة، ومن يحميه عندما يصبح التحقق من أبسط المعلومات الطبية مهمة تقع على عاتقه.

 

"دي Rules المكان".. منذ متى أصبحت القواعد الداخلية فوق حق المريض؟
في قصتي، لم أطلب امتيازًا، ولا خدمة مجانية، ولا معاملة خاصة، ولم أطلب تركيبة سرية أو وصفة تصنيع أو معلومة تمس سرًا تجاريًا، طلبت فقط أن أعرف ما الذي استُخدم على جسدي.
وهذا ليس فضولًا من مريض كثير الأسئلة، بل يرتبط بجوهر استقلالية المريض والموافقة المستنيرة؛ فالإنسان لا يستطيع أن يشارك بوعي في قرار طبي إذا حُجبت عنه المعلومات الأساسية التي تمكنه من فهم الإجراء وما سيُستخدم معه.
 

بدأت القصة في إحدى العيادات بمدينة الشيخ زايد، وهي منشأة تقدم نفسها باعتبارها من الأماكن المتميزة، وتفرض أسعارًا مرتفعة، وتحيط خدماتها بصورة توحي بدرجة عالية من الاحتراف. ذهبت إليها وأنا أتعامل معها على هذا الأساس، وأجريت جلسة قيل أن ثمنها منفردة 1600 جنيه، ثم عُرض عليّ الاشتراك في ثلاث جلسات مقابل 4200 جنيه، فوافقت واشتركت في العرض.
 

بعد عودتي إلى المنزل، راجعت تفاصيل الجلسة، ولاحظت أن معلوماتي عن الطبيبة محدودة، ولم يكن لدي سوى اسمها، لذلك تواصلت مع العيادة وطلبت أمرًا بالغ البساطة، اسم المنتج الذي استُخدم معي وصورته.
 

لكن المفاجأة لم تكن في غياب اسم المنتج وحده، عندما راجعت الروشتة الطبية الموجودة بحوزتي، وجدت أن البيانات المدونة فيها، بحسب نسختها التي أملكها، تقتصر على اسم الطبيب، من دون تشخيص واضح ظاهر في المستند، أو بيان ظاهر لصفته المهنية، أو معلومات تعريفية أخرى كنت أتوقع أن أجدها في وثيقة طبية توثق الإجراء.
 

وهنا ظهر سؤال آخر، من الذي عالجني تحديدًا؟ وما صفته المهنية؟ 
 

لا أطرح هذه الأسئلة باعتبارها حكمًا مسبقًا بوجود مخالفة، فقد تكون هناك سجلات أو مستندات أخرى محفوظة لدى المنشأة ولم أحصل عليها، لكن المريض لا ينبغي أن يغادر تجربة علاجية وهو يحمل مستندات محدودة البيانات وسلسلة من الأسئلة التي يفترض أن يجد إجاباتها في ملفه الطبي.
 

فالطبيب الذي لا تتضح صفته في المستند المتاح للمريض، والتشخيص الذي لا يظهر فيه، والمنتج الذي لا يعرف اسمه، يصنعون معًا مساحة من الغموض. والغموض في الطب ليس مجرد خلل إداري، فقد يصبح، عند حدوث مضاعفات أو الحاجة إلى متابعة علاجية لاحقة، مسألة تتصل بسلامة المريض.
 

وعندما طلبت اسم المنتج أو صورته، بدأت المماطلة، رفضت العيادة في البداية إرسال البيانات المطلوبة، وحين طلبت إنهاء التعامل واسترداد قيمة الجلسات التي لم تُنفذ، وجدت نفسي أمام أربعة أيام من الانتظار والاتصالات وتعدد المسؤولين عن الرد.
 

ثم جاءني، بحسب ما دار بيننا، رد مديرة الفرع: "المبلغ لن يُرد، وهذه Rules المكان".
 

وهنا تبدو السخرية أكثر مرارة من أن تكون مضحكة هل أصبحت لكل عيادة دولة صغيرة وقوانين خاصة؟
من حق أي منشأة أن تضع قواعد لتنظيم عملها، لكن القاعدة الداخلية تظل قاعدة داخلية، ولا تتحول بمجرد إطلاق اسم «Rules» عليها إلى نص قانوني يعلو على حقوق المريض أو المستهلك.
والأهم أنني لم أكن أختلف مع العيادة على موعد جلسة أو لون غرفة الانتظار. كنت أسأل عن مادة استُخدمت على جسدي.

هل أصبح على المريض أن يكون محققًا بالذكاء الاصطناعي؟
بعد الإصرار، أرسلت لي العيادة أخيرًا صورة لمنتج عبر واتساب، وكان يمكن أن تنتهي القصة هنا، لولا أنني قررت أن أتحقق بنفسي.
وهنا جاءت الخطوة الأهم في الواقعة: استخدمت أدوات البحث البصري والذكاء الاصطناعي للتحقق من الصورة التي أرسلتها العيادة.
لم أتعامل مع النتيجة باعتبارها حكمًا نهائيًا، ولم أقل إن الذكاء الاصطناعي «أثبت» أن العيادة كاذبة. استخدمته كأداة تحقق أولي، كما تُستخدم التكنولوجيا في العمل الاستقصائي لكشف خيط يحتاج إلى فحص بشري ووثائقي مستقل.
وضعت الصورة في أدوات البحث البصري، وراجعت النتائج، فظهرت لي روابط تشير إلى أن الصورة مرتبطة، بحسب نتائج البحث، بطبيبة أخرى وعيادة مختلفة تمامًا.
هنا تغير السؤال.
لم يعد فقط: لماذا رفضت العيادة إعطائي اسم المنتج؟
بل أصبح: هل الصورة التي أرسلتها العيادة إليّ هي فعلًا صورة المنتج الذي استُخدم معي؟
وهنا أتمسك بالفاصل المهني بين الاكتشاف والاتهام، الذكاء الاصطناعي ليس محكمة، ونتيجة البحث البصري ليست حكمًا قضائيًا، لكنها في الوقت نفسه ليست نتيجة ينبغي تجاهلها عندما تكشف تعارضًا محتملًا في مصدر صورة قُدمت للمريض باعتبارها صورة منتج طبي.
لذلك وثقت عملية التحقق بتسجيل شاشة، واحتفظت بالمراسلات والصورة والتسلسل الزمني للواقعة، لم أصدر حكمًا على العيادة، بل طلبت ما هو أهم، أن تحقق جهة مختصة في الأمر.
إذا كانت الصورة تخص المنتج المستخدم فعلًا، فليظهر مصدرها، وإذا كانت تخص منتجًا أو جهة أخرى، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحًا، كيف وصلت إلى العيادة؟ ومن أرسلها؟ وما المنتج الذي استُخدم بالفعل؟
الحقيقة لا تخاف من التحقق، والوثيقة لا تحتاج إلى صوت مرتفع كي تدافع عن نفسها.
لكن الواقعة تكشف سؤالًا أكبر من تجربتي الشخصية، ماذا عن المريض الذي لا يعرف استخدام البحث البصري؟ ماذا عن شخص لا يملك الوقت أو القدرة على التحقق؟ وماذا عن مريض لا يعرف أصلًا أن من حقه أن يسأل عن المنتج ومصدره؟ وماذا لو ظهرت لديه مضاعفات بعد أيام واحتاج طبيب آخر إلى معرفة المادة التي استُخدمت معه؟
هل يصبح حق الإنسان في معرفة ما استُخدم على جسده مرتبطًا بقدرته على أن يكون محققًا؟
هنا تصبح المسألة أكثر خطورة.
فالطب لا يفترض نموذج «الطبيب يعرف والمريض يطيع»، وإنما يقوم على إشراك المريض في القرار وإتاحة المعلومات اللازمة لفهم العلاج ومخاطره وبدائله، وليس مطلوبًا من المريض أن يكون طبيبًا حتى يعرف اسم المنتج، ولا صيدليًا حتى يطلب بياناته، ولا صحفيًا استقصائيًا حتى يتحقق من صورة أرسلتها إليه عيادته.
واللافت أن نبرة التعامل تغيرت، بحسب ما عايشته، بعد أن أرسلت للعيادة تسجيل الشاشة الذي يوثق عملية التحقق؛ فما كان رفضًا قاطعًا تحول إلى وعود برد الأموال.
وفي إحدى المكالمات طُرح احتمال أنني ربما التقطت صورة المنتج بنفسي أثناء الكشف، وهو ما نفيته بوضوح، لأن السؤال المنطقي بسيط، إذا كنت قد صورت المنتج بنفسي، فلماذا أطلب من العيادة أن ترسل لي صورته؟
تعددت الاتصالات والوعود بأن «المبلغ هيتبعت وتنتهي المشكلة»، ثم جاءت مكالمة أخرى قرابة العاشرة مساءً من مديرة الفرع، أو إحدى المسؤولات عن إدارة الفروع، وانتهت بعرض خصم يصل إلى 25% إذا عدت إلى الفرع، إلى جانب طلب حذف ما نشرته على فيسبوك وكتابة منشور تصالحي.
رفضت حذف ما نشرته، لم أكن أبحث عن خصم ولا عن صفقة شخصية. كنت أبحث عن إجابة، وافقت فقط على إنهاء الأمر بهدوء ورد المبلغ في الصباح، لكن الصباح جاء ولم يحدث شيء.
من قال إن الجسد سرّ العيادة؟
هنا تتجاوز القضية حدود مبلغ مسترد أو جلسة لم تُنفذ. نحن أمام سؤال يمس جوهر العلاقة الطبية:، هل يملك المريض حق معرفة ما استُخدم على جسده، ومن عالجه، وعلى أي أساس عولج؟
إذا كانت العيادة واثقة من موقفها، فالأمر لا يحتاج إلى مفاوضات طويلة اسم المنتج، مصدره، بياناته، مستندات شرائه، وسجلات استخدامه، إلى جانب الملف الطبي، كلها وثائق يمكن أن تحسم الجدل.
أما أن يتحول طلب هذه المعلومات إلى أيام من المماطلة، ثم إلى وعود برد الأموال وعروض خصم وطلب حذف ما نُشر، فذلك لا يغلق الأسئلة، بل يفتح المزيد منها.
الثقة في الطب لا تُطلب من المريض، بل تُبنى أمامه.
والشفافية ليست مجاملة تقدمها المنشأة عندما تريد، وإنما جزء من العلاقة التي يفترض أن تحمي المريض قبل أن تحمي المؤسسة.

ماذا أطلب من وزير الصحة والجهات المختصة؟
لا أطلب إدانة مسبقة، ولا عقوبة انتقامية، وإنما أطلب فتح تحقيق رسمي ومستقل في الواقعة، وفحص ملفي الطبي كاملًا، والتحقق من الطبيب الذي أجرى الإجراء وصفته المهنية، ومن مدى كفاية البيانات الطبية والتوثيق المتعلق بما خضعت له.
وأطلب تحديدًا التحقق من هوية المنتج الذي استُخدم بالفعل، ومصدره، وبياناته، وفاتورة شرائه، وسجلات استخدامه داخل العيادة، ومقارنة ذلك بالصورة التي أُرسلت إليّ عبر واتساب؛ للتحقق مما إذا كانت الصورة تخص المنتج المستخدم معي، وكيف وصلت إلى العيادة إذا ثبت ارتباطها بمنتج أو جهة أخرى.
كما أطلب التحقق من مدى التزام المنشأة بإتاحة المعلومات الطبية اللازمة للمريض لفهم الإجراء الذي خضع له، وسلامة التوثيق الطبي المتاح له، وكذلك الأساس الذي استندت إليه العيادة في رفض رد قيمة الجلسات غير المنفذة: هل هو التزام قانوني، أم مجرد قاعدة داخلية؟
لا أطلب إدانة أحد قبل أن يقول التحقيق كلمته، أطلب فقط أن تُفتح الأوراق أن نعرف المنتج، ومصدره، وسجله، والطبيب الذي أجرى الإجراء وصفته، وأن نعرف كيف وصلت صورة مرتبطة بعيادة أخرى إلى مريض باعتبارها صورة المنتج المستخدم معه، إذا ثبت ذلك بالتحقيق.
فالمال يمكن رده، والمنشور يمكن حذفه، والاعتذار يمكن كتابته، أما الثقة فلا تستعاد إلا بالحقيقة.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يبقى بعد هذه الواقعة كلها، هل أصبح على المريض أن يدفع ثمن العلاج، ثم يدفع من وقته وكرامته وجهده حتى يعرف ماذا تلقى؟
أنا لم أطلب امتيازًا. طلبت أن أعرف.
وفي الطب، يجب ألا يكون السؤال جريمة، ولا المعرفة رفاهية، ولا ينبغي أن يحتاج المريض إلى أن يصبح محققًا كي يعرف ما الذي استُخدم على جسده.

تم نسخ الرابط