خريطة مشتري الذهب تتغير.. آسيا تقود تحولًا جديدًا
تشهد أسواق الذهب تحولًا لافتًا في خريطة الطلب العالمي، بعدما أظهرت أحدث البيانات القادمة من الصين عودة قوية للطلب الاستثماري، في وقت تضغط فيه المستويات السعرية المرتفعة على شراء المشغولات الذهبية، ما يكشف عن تغير أعمق في سلوك مشتري الذهب: من اقتناء المعدن للزينة إلى الاحتفاظ به كأصل استثماري ومخزن للقيمة.
وأظهرت بيانات إدارة الإحصاء في هونج كونج ارتفاع صافي واردات الصين من الذهب عبر هونج كونج خلال يوليو بنحو 11% على أساس شهري، لتصل إلى 56.19 طنًا مقابل 50.68 طنًا في يونيو، كما ارتفعت بنحو 28% مقارنة بيوليو من العام الماضي.
الصين تشتري رغم ارتفاع أسعار الذهب
المفارقة أن زيادة الواردات تأتي في وقت تتحرك فيه أسعار الذهب عند مستويات مرتفعة تاريخيًا، وهو ما يشير إلى أن شريحة من المشترين لم تعد تنظر إلى ارتفاع السعر باعتباره سببًا كافيًا للخروج من السوق.
وتدعم بيانات مجلس الذهب العالمي هذه القراءة؛ إذ جذبت صناديق الذهب المتداولة الصينية تدفقات بقيمة نحو 5 مليارات يوان، تعادل 744 مليون دولار، خلال يوليو وحده، لترتفع حيازاتها بنحو 5 أطنان إلى 282 طنًا.
ومن يناير وحتى نهاية يوليو، جذبت الصناديق الصينية نحو 45 مليار يوان، بما يعادل 6.3 مليار دولار، و34 طنًا من الذهب، في ثاني أقوى أداء مسجل لهذه الفترة من العام. كما أضافت الصناديق نحو 8 أطنان أخرى خلال الأيام الأولى من أغسطس، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي حتى 12 أغسطس.
ولم يتوقف الأمر عند المستثمرين؛ إذ أضاف بنك الشعب الصيني نحو 20 طنًا من الذهب إلى احتياطياته خلال يوليو، وهي أكبر إضافة شهرية منذ أواخر 2023، لترتفع الحيازات الرسمية المعلنة إلى نحو 2366 طنًا، مع استمرار سلسلة الشراء للشهر الحادي والعشرين على التوالي.
الحُلي تتراجع والاستثمار يتقدم
لكن الوجه الآخر للقصة يكشف التحول الحقيقي داخل أسواق الذهب. فرغم قوة الطلب الاستثماري، انخفض الطلب الصيني على المشغولات الذهبية خلال الربع الثاني من 2026 بنسبة 28% على أساس سنوي إلى نحو 50 طنًا، متأثرًا بارتفاع أسعار الذهب وضعف ثقة المستهلكين.
وعالميًا، تراجع الطلب على المشغولات إلى 278.2 طن خلال الربع الثاني، بانخفاض 17% على أساس سنوي، بينما أشار مجلس الذهب العالمي إلى أن المستهلكين يتجهون بصورة متزايدة إلى منتجات استثمارية أقل تكلفة من حيث العلاوات السعرية، مثل السبائك والعملات الذهبية.
ويذهب التحول إلى أبعد من ذلك؛ إذ تتوقع مؤسسة Metals Focus أن يصبح الاستثمار المادي في الذهب أكبر مكونات الطلب العالمي خلال 2026 متجاوزًا المجوهرات للمرة الأولى في بياناتها، مع توقع نمو الاستثمار المادي 15%، وأن تقود الصين هذه الزيادة.
وماذا يحدث في مصر؟
المثير أن السوق المصرية تعكس جانبًا آخر من الظاهرة نفسها. فبيانات مجلس الذهب العالمي تشير إلى انخفاض الطلب على المشغولات الذهبية في مصر بنسبة 14% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، في ظل التضخم وتقلبات العملة وارتفاع الأسعار.
وبذلك لا تصبح القضية مجرد ارتفاع أو انخفاض يومي في أسعار الذهب، وإنما تغيرًا في وظيفة المعدن لدى المشترين؛ فكلما ارتفعت الأسعار، تراجعت قدرة المستهلك على شراء المشغولات الثقيلة، بينما يحتفظ الاستثمار في الذهب بجاذبيته لدى شرائح تبحث عن التحوط وحفظ القيمة.
ويعزز ذلك رؤية مجلس الذهب العالمي بأن الاستثمار سيكون المصدر الرئيسي لنمو الطلب على الذهب خلال بقية 2026، مع دور متزايد للمشتريات الآسيوية والتعاملات خارج البورصة، في حين ستواصل الأسعار المرتفعة الضغط على الطلب على المجوهرات.
وهنا تكمن الإشارة الأهم: خريطة أسواق الذهب العالمية لا تتغير فقط من حيث الدول التي تشتري المعدن، بل من حيث سبب شراء الذهب نفسه؛ فبينما تتراجع المجوهرات تحت ضغط السعر، يتحول جزء متزايد من الطلب نحو الاستثمار، لتصبح آسيا في قلب إعادة رسم خريطة مشتري الذهب عالميًا.