أزمة تكليف خريجي 2023 و2024 أمام البرلمان.. أسئلة حول «الاحتياج» ومعايير التوزيع ومستقبل الكوادر الطبية
في وقت تواصل فيه الدولة تطوير منظومتها الصحية والتوسع في الخدمات والمشروعات الطبية بمختلف المحافظات، يفرض ملف الموارد البشرية نفسه باعتباره أحد الملفات المرتبطة بكفاءة المنظومة وقدرتها على تحقيق أهدافها.
وفي هذا السياق، عاد ملف تكليف خريجي كليات طب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي إلى واجهة النقاش البرلماني، خاصة مع استمرار تساؤلات خريجي دفعتي 2023 و2024 حول قواعد التكليف، ونسب المقبولين، ومعايير تحديد الاحتياج، وآليات التوزيع الجغرافي، ومصير من لم تشملهم قرارات التكليف أو تقدموا بتظلمات.
وتكتسب القضية أهمية خاصة لارتباطها بثلاثة ملفات رئيسية: احتياجات القطاع الصحي، والتخطيط للتعليم الطبي، ومستقبل آلاف الخريجين، وهو ما دفع أعضاء لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب إلى طرح عدد من التساؤلات والمقترحات بهدف الوصول إلى آلية أكثر وضوحاً واستدامة.

حسام خليل: نطالب باستكمال تكليف دفعة 2023
أكد النائب الدكتور حسام خليل، عضو لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، أن تكليف دفعة 2023 تم وفق الاحتياج وبنسب متفاوتة بين التخصصات، موضحاً أن ما تم شمل نحو 50% من أطباء الأسنان، و60% من خريجي الصيدلة، و25% من خريجي العلاج الطبيعي.
وأشار إلى أن لجنة الشؤون الصحية طالبت باستكمال تكليف دفعة 2023، مؤكداً أن هذه الدفعة تحديداً التحق أفرادها بالكليات في ظل منظومة كان التكليف فيها قائماً، وبالتالي فإن تغيير القواعد خلال فترة الدراسة يضع الخريج أمام واقع مختلف عما كان متوقعاً عند التحاقه بالكلية.
وشدد خليل على أن المطالبة باستكمال التكليف لا تعني رفض التخطيط وفق احتياجات الدولة، موضحاً أن هناك احتياجات فعلية للكوادر الطبية، سواء في منظومة التأمين الصحي الشامل التي تتوسع تدريجياً في المحافظات، أو في باقي مؤسسات الدولة الصحية
التوزيع الجغرافي يحتاج إلى مراجعة
ولفت خليل إلى وجود شكاوى من توزيع عدد كبير من المكلفين على أماكن بعيدة ونائية، مؤكداً ضرورة مراعاة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والأسرية عند دراسة التظلمات، خاصة في حالات المتزوجات اللاتي جرى توزيعهن على محافظات بعيدة عن محل إقامتهن.
وأوضح أن نجاح التكليف لا يرتبط فقط بإرسال الخريج إلى المكان الذي توجد به حاجة، وإنما بقدرته على الاستقرار في موقع عمله والاستمرار في أداء دوره بكفاءة.
ربط أعداد المقبولين باحتياجات سوق العمل
وحول زيادة أعداد الخريجين، أكد خليل أن الخريج لا يتحمل مسؤولية هذه الزيادة، وأن تحديد أعداد المقبولين يجب أن يتم من خلال تخطيط مشترك بين وزارتي التعليم العالي والصحة، وفق دراسة دقيقة لاحتياجات سوق العمل.
وأضاف أن زيادة الأعداد ليست الحل الوحيد لسد احتياجات القطاع الطبي، وإنما يجب الاهتمام أيضاً بجودة الخريج وتأهيله، وربط أعداد المقبولين باحتياجات كل تخصص وأماكن التدريب والامتياز وفرص العمل المستقبلية.
وكشف عن تحرك برلماني لوضع آلية واضحة تربط أعداد المقبولين في الكليات الطبية باحتياجات سوق العمل، من خلال رؤية مشتركة يتم تحديثها سنوياً بين وزارتي التعليم العالي والصحة.

صافيناز دراج: «الاحتياج» يجب أن يكون معلوماً للجميع
أكدت النائبة الدكتورة صافيناز دراج، عضو لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب، أن جوهر الأزمة لا يتعلق برفض مبدأ التكليف وفق الاحتياج، وإنما بضرورة وضوح المعايير التي يتم على أساسها تحديد هذا الاحتياج.
وأوضحت أن هناك خريجين يتساءلون عن أسباب عدم شمولهم بالتكليف رغم اعتقادهم بأنهم ضمن النسب المعلنة، وهو ما يجعل إعلان معايير الاختيار وآليات التوزيع أمراً بالغ الأهمية.
وأكدت أن تحديد الاحتياج يجب أن يقوم على حصر فعلي لاحتياجات المستشفيات والهيئات والمنشآت الصحية، بحيث يتم تحديد العدد المطلوب من كل تخصص وفق بيانات دقيقة وواضحة.
قواعد واضحة منذ بداية الدراسة
وشددت دراج على أن الطالب يجب أن يعرف منذ بداية دراسته طبيعة النظام الذي سيخضع له بعد التخرج، مؤكدة أن تطوير سياسات التكليف أمر طبيعي تفرضه احتياجات الدولة، لكن يجب أن تكون القواعد معلنة مسبقًا لكل دفعة.
وأشارت إلى أن التوسع في إنشاء الجامعات والكليات الطبية خلال السنوات الماضية صاحبه ارتفاع في أعداد الطلاب والخريجين، وهو ما يستوجب بالتوازي دراسة احتياجات سوق العمل، حتى يكون هناك توافق بين أعداد المقبولين وقدرة المنظومة الصحية على استيعابهم.
تحركات برلمانية لحسم الملف
وكشفت دراج عن تقدمها بطلبات إحاطة بشأن الأزمة، بهدف بحث أسبابها ووضع تصور لمعالجتها من جذورها، موضحة أن دفعة 2023 شهدت تكليف جزء من خريجيها، بينما لا تزال هناك حالات في انتظار نتائج التظلمات، إلى جانب الحديث عن إمكانية إجراء حركة تكميلية.
وأكدت أن البرلمان ينتظر بياناً واضحاً من إدارة التكليف بشأن معايير الاختيار، ومصير المتظلمين، وما إذا كانت هناك إجراءات تكميلية لاستيعاب أعداد إضافية من الخريجين.
من أزمة التكليف إلى التخطيط للمستقبل
تكشف مداخلات النائبين أن أزمة خريجي 2023 و2024 ترتبط بملف أوسع يتعلق بالتخطيط للموارد البشرية في القطاع الصحي؛ فالدولة تحتاج إلى تحديد احتياجاتها الفعلية من كل تخصص وموقع جغرافي، بينما يحتاج الطالب إلى معرفة المسار الذي ينتظره بعد سنوات الدراسة.
ومن هنا تبرز أهمية وجود منظومة متكاملة تبدأ بتحديد احتياجات وزارة الصحة، ثم ترجمتها إلى أعداد مقبولين في الكليات المختلفة، وربطها بالطاقة التدريبية وأماكن الامتياز والاحتياجات المستقبلية للقطاع الصحي.
ويبقى حسم موقف خريجي 2023، ودراسة التظلمات، وتوضيح موقف دفعة 2024، بالتوازي مع وضع قواعد واضحة للدفعات المقبلة، خطوات أساسية لمنع تكرار الأزمة.
وفي النهاية، فإن إدارة العنصر البشري بكفاءة تظل جزءاً أساسياً من قوة المنظومة الصحية، بما يضمن توجيه الكوادر إلى الأماكن التي تحتاج إليها، وتحقيق أفضل استفادة من الكفاءات التي يتم إعدادها داخل الجامعات المصرية، بالتوازي مع التخطيط الدقيق لاحتياجات الدولة المستقبلية



