أزمة المعاشات تصل للبرلمان.. «السيستم» السبب أم مشكلة أموال؟
لم تعد أزمة المعاشات مجرد تأخير في موعد صرف مستحقات، وإنما تحولت إلى ملف مفتوح على أسئلة أكبر حول الإدارة والسيستم وأموال التأمينات، بعدما وصلت شكاوى المواطنين إلى مجلس النواب، ووجد بعض أصحاب المعاشات أنفسهم أمام انتظار لا يملكون رفاهية تحمله، في ظل اعتمادهم على المعاش كمصدر دخل أساسي للمعيشة.
ووصف النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، ما يحدث بأنه «كارثة المعاشات»، كاشفاً عن تحركه بنحو 1000 طلب لمواطنين لم يحصلوا على مستحقاتهم، بينما قال النائب محمد هلال، عضو لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، إن الأزمة التي عُرضت أمام لجنة القوى العاملة كانت مرتبطة بـ«السيستم» وتحديث منظومة الإدراج والصرف.
الحوار مع النائبين لم يتوقف عند حدود تأخر الصرف، بل امتد إلى سؤال الموارد المالية، والتعويضات المستحقة عن التأخير، وأسباب عدم وضع حل جذري للأزمة، وصولًا إلى ملف أموال التأمينات في الماضي والروايات المتضاربة حول مصيرها.. لتبقى القضية الأهم: متى يحصل صاحب المعاش على حقه دون انتظار أو معاناة؟

إيهاب منصور: «دي اسمها كارثة المعاشات
قال إيهاب منصور إن ما يحدث لا يمكن وصفه بأنه مجرد مشكلة أو تحدٍ، مؤكدًا: «دي اسمها كارثة المعاشات». وأوضح أن هناك مواطنين يعيشون «اليوم بيومه»، ولا يملكون مصادر دخل أخرى، متسائلاً عن كيفية تدبير احتياجاتهم بعد الخروج إلى المعاش.
وكشف منصور أنه يتوجه إلى العاصمة بنحو 1000 طلب وصلت إلى مكتبه، موضحًا أن كل طلب يتضمن بيانات صاحبه والمشكلة والمحافظة، قائلاً: «أنا مش رايح بـ2، بـ3، بـ5.. رايح بـ1000 أسرة، بـ1000 مأساة، بـ1000 كارثة.
وأضاف أن هناك مواطنين «مش لاقية تأكل، ناس مش لاقية تصرف دوا»، مطالباً رئيس الحكومة بالتدخل وصرف دفعة للمواطنين المتأخرة معاشاتهم، مستشهداً بصرف 10 آلاف جنيه في وقت سابق لنحو 41 ألف شخص، معتبراً تلك الدفعة «تصبيرة» وليست حلاً للأزمة.
السيستم والتعامل والتعويضات
وأكد منصور أن المشكلة لا تقتصر على السيستم، قائلاً: «النظام فيه مشكلة، والتعامل فيه مشكلة، وعدد الموظفين فيه مشكلة»، وانتقد ما وصفه بطريقة غير آدمية في التعامل مع المواطنين، مطالباً بوجود رقابة على هذا الملف.
كما فتح ملف التعويض عن تأخير الصرف، موضحاً أن القانون ينص على تعويض، بينما تشترط اللائحة أن يقدم المواطن طلباً للحصول عليه، وطالب بألا يُجبر المواطن على الذهاب مجدداً والوقوف في الطوابير، وأن يتم التعامل مع التعويض إلكترونياً عبر السيستم.
هل الأزمة أزمة أموال؟
ورفض منصور أن يكون عدم توافر الموارد المالية مبرراً لاستمرار الأزمة، متسائلاً: «ما عندكوش فلوس قولوا، ما تعرفوش تشتغلوا استقيلوا»، وأشار إلى أن الهيئة طلبت دعماً إضافياً، وقال إن البرلمان وافق على طلبات الدعم، مؤكداً: «ما عندهمش حجة».
وحول أموال التأمينات في الماضي، أشار منصور إلى وجود روايتين متضاربتين بشأن ما حدث لها، وقال إنه سمع من الدكتورة مرفت التلاوي أن أموال المعاشات «تمت سرقتها» واتخذت في اتجاهات أخرى ولم تستثمر، ما أدى إلى ضياع أموال على أصحاب المعاشات، لكنه شدد على أن تركيزه الأساسي هو الوضع الحالي.
وأوضح أن الدولة تدفع للصندوق نحو 254 مليار جنيه سنوياً، بحسب آخر رقم يتذكره، معتبراً ذلك التزاماً على الدولة تجاه أموال أصحاب المعاشات.
ويرى منصور أن استمرار الأزمة يرجع إلى «فشل التخطيط وفشل الإدارة»، مستشهداً بتعدد المواعيد التي أُعلنت لإنهائها، من مايو إلى يونيو ثم يوليو، وصولاً إلى 1 أغسطس.
وأكد أن المسؤولية السياسية تقع على رئيس الحكومة، إلى جانب رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، مشدداً: «أنا مش هسيبهم».

محمد هلال: «الأزمة كلها كانت السيستم
في المقابل، قال محمد هلال إن ما عُرض أمام لجنة القوى العاملة كان أن الأزمة مرتبطة بالسيستم، وأن إصلاحه كان مقرراً حتى 1 أغسطس، على أن تنتظم عمليات صرف المعاشات بعد ذلك.
وأوضح أن أكثر الشكاوى التي وصلت إليه كانت بشأن تأخر صرف معاشات من خرجوا إلى المعاش خلال أشهر ديسمبر ويناير وفبراير ومارس وأبريل، مؤكداً أن الحل الجذري من وجهة نظره هو أن «الناس تاخد معاشاتها».
وشدد هلال على أن المعاش ليس منحة، وإنما «حق من حقوق أصحاب المعاشات»، خصوصاً من لا يملكون دخلًا آخر بعد بلوغ سن الستين، متسائلاً: «واحد عنده 60 سنة هيشتغل فين؟».
وأكد هلال أن المشكلة التي عُرضت أمام النواب لم تكن، بحسب ما عُلم به، أزمة أموال، وإنما تحديث السيستم المرتبط بالإدراج والصرف، قائلاً إن «الفلوس موجودة».
واستعاد موقفه داخل البرلمان عندما تحدث عن أصحاب المعاشات الذين لا يملكون دخلاً آخر، مؤكداً أن سؤاله كان: «هياكل منين؟»، معتبراً أن المواطن الذي دفع اشتراكاته طوال سنوات عمله يجب أن يحصل على معاشه ليستطيع أن يعيش.
وهكذا، وبينما يصف إيهاب منصور الأزمة بأنها «كارثة» ويطالب بحسمها ومحاسبة المسؤولين عن استمرارها، يضع محمد هلال المشكلة في إطار تعطل السيستم وتحديث المنظومة، لكن النائبين يلتقيان عند حقيقة واحدة: معاش المواطن ليس منحة ينتظرها، وإنما حق اكتسبه بعد سنوات من العمل والاشتراك، وتأخر هذا الحق يضع من لا يملك دخلاً آخر أمام أزمة معيشية لا تحتمل الانتظار



