د. رانيا حمدي تكتب: صناعة الوعي في عصر الترند والذكاء الاصطناعي
نجد أن أخطر التحولات في عصر المنصات الرقمية هو الخلط بين الانتشار والأهمية، فكل ما يتصدر قائمة الأكثر تداولًا يصبح في نظر البعض قضية لا يمكن تجاهلها، لكن الترند ليس استفتاءً ولا يمثل بالضرورة الأغلبية، فهو مؤشر على قدرة محتوى معين على جذب الانتباه والتفاعل معه، والمشكلة تبدأ عندما يتحول الأكثر تداولًا إلى الأكثر تصديقًا، وهنا يصبح المجتمع يعيش داخل واقع رقمي لا يعكس دائمًا الواقع الاجتماعي بكل تنوعه.
ومع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي، فيمكن إنتاج صورة أو صوت أو مشهد غير موجود من الأساس، وهذا يضع الوعي أمام تحدٍّ حقيقي، ولذلك تصبح الثقافة الرقمية جزءًا من الثقافة العامة، ويصبح التحقق مهارة أساسية لا تقل أهمية عن القراءة والكتابة، ولن تنجح أي حملة لمواجهة الشائعات إذا لم نعلّم الإنسان منذ البداية كيف يفكر.
فنحن نحتاج إلى جيل لا يخاف من الاختلاف، ولا يصدق كل ما يراه، ولا يرفض كل ما لا ينسجم مع قناعاته، فالوعي لا ينتج بقرار إداري، لكن الوعي يُبنى بالتعليم والثقافة والممارسة، ولا نستطيع أن نمنع الناس من الاختلاف، ولا نستطيع أن نوقف تدفق المعلومات أو نغلق أبواب التكنولوجيا، لكن في الإمكان بناء إنسان أكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة في عصر الذكاء الاصطناعي.. إنسان لا يجعل الترند يحدد له ما يحبه وما يكرهه.
فالمعركة القادمة ليست معركة من يمتلك أكبر عدد من المنصات، لكنها معركة من يمتلك أكثر العقول قدرة على التمييز، فالمجتمع الذي يفقد قدرته على التحقق يصبح الوعي فيه أول ضحايا الخوارزميات، وهنا تكمن مسؤولية المجتمع كله في حماية حق الإنسان في التفكير المستقل، وأن نحمي الحقيقة من أن تتحول إلى مجرد رأي يحظى بأكبر عدد من المشاركات، وهذا كله يجعل الوعي قضية تتعلق بالأمن المجتمعي وبجودة الحوار العام وقدرة الناس على اتخاذ مواقف مبنية على المعرفة، وأن تكون الحقيقة هي الأساس، فالمجتمع الذي يحمي وعيه يحمي قراره ومستقبله.