ياسر السجان يكتب: صرخة الترند
في زمن صار فيه الضجيج أغلى من الصدق صار البحث عن الترند رحلة بلا بوصلة يقودها الغضب وتغذيها الرغبة في الانتقام لا أحد يسأل عن الحقيقة كاملة الكل يريد لقطة واحدة مشهدا قصيرا يحرك التفاعل ويشعل التعليقات فيخرج أحدهم ليستفزك بكلمات مقصودة حتى تفقد أعصابك ثم يرفع هاتفه ويصورك في لحظة الانهيار وينشر المقطع ويكتب فوقه انظر إلى هذا الشخص العدواني انظر إلى أخلاقه وهو نفسه من أشعل النار ووقف يتفرج ويضحك ويعد اللايكات كأنها شهادة براءة له
صارت الموضة الجديدة هي صناعة الضحية وصناعة الجاني في نفس الوقت نختار الزاوية التي تخدم روايتنا ونقص باقي القصة ونرميها في سلة المهملات لأنها لا تبيع لأنها لا تجلب مشاهدات
حتى أقدس العلاقات لم تسلم من هذا العبث الطلاق الذي كان في الماضي وجعا يغلق بابه على أهله صار اليوم حفلة علنية يخرج المطلق والمطلقة كل منهما ليقيم فرحا على السوشيال يرقص ويغني ويكتب أنا تحررت أنا انتصرت أنا الضحية وهو الجلاد كأن الانفصال صار مشروعا إعلاميا يحتاج إلى تسويق وإلى جمهور يصفق وإلى أعداء يخسرون
نحن لا ننفصل لنرتاح نحن ننفصل لنثبت للعالم أننا كنا على صواب وأن الطرف الآخر كان شيطانا متنكرا في هيئة إنسان
أي قسوة هذه التي تجعلنا نبيع لحظات ضعفنا وألمنا وخلافاتنا في سوق مفتوح ثمنه تعليق وإعجاب ومشاركة
أي أخلاق تلك التي تبرر الكذب بالتصوير من جانب واحد وتبرر الإهانة بحجة حرية الرأي وتبرر الشماتة بحجة التعبير عن النفس
لقد تحولت منصات التواصل من مساحة للتواصل إلى حلبة مصارعة كل من فيها يريد أن يثبت أنه البطل وأن الآخر هو الشرير المطلق
ونسوا أن لكل قصة وجهين ونسوا أن الكاميرا لا تنقل النية ولا تنقل ما قبل اللقطة ولا تنقل سنوات العشرة ولا تنقل الدموع التي سالت في الخفاء
ونسوا أن الترند يموت بعد يومين ولكن الجرح الذي صنعناه بكلمة أو بمقطع أو بصورة يبقى في قلب إنسان لسنوات
صرنا نعيش لنصور لا لنعيش نركض خلف رقم متغير ونهدم بيوتا ثابتة نكسر قلوبا ونقول هذا رأي عام نجلد إنسانا ونقول هذا توثيق ننتقم ونقول هذا عدل
إلى متى سنظل نصدق أنفسنا ونحن نكذب إلى متى سنظل نربي أبناءنا على أن الشهرة تبرر كل شيء وأن الانتقام شجاعة وأن فضح الناس بطولة
الحزن ليس في الخبر الحزين الحزن أن الخبر الحزين صار هو الخبر الذي نريده وأن الدمعة صارت سلعة وأن الفضيحة صارت محتوى
آن لنا أن نغلق الكاميرا قبل أن نطلق الحكم وآن لنا أن نسمع القصة كاملة قبل أن نصفق لطرف واحد وآن لنا أن نحترم وجعنا ووجع غيرنا ولا نجعله مادة للترند