ياسر سليم يكتب: هل ينتقم وزير التعليم من المصريين؟
لم يكن التعليم عبئًا على التلاميذ والناس يومًا، كما هو الحال اليوم.
في فيلم «الناظر» الشهير، يقف تلميذ أصلع في وجه زملائه، كي يمنعهم من دخول الفصول، قائلًا: «محدش هيتعلم هنا».
استدعى المصريون هذا المشهد الساخر، حينما اكتشفوا الشبه الكبير بينه وبين الدكتور محمد عبد اللطيف، الذي تولى مسؤولية وزارة التعليم، ودرجة الدكتوراه هذه كانت مثبتة قبيل اسمه عند توليه، ثم أزيلت لاحقًا عندما قام صحفيون بتحقيقات استقصائية أثبتت عدم حصوله عليها، كما تناولها برلمانيون في استجواباتهم، مشككين في درجات علمية أخرى، فاكتفت الحكومة بإزالة اللقب، وثبتت صاحبه كما يثبت الدكتور مصطفى مدبولي خاتمه في إصبعه.
يقال إن الدكتور محمد عبد اللطيف جرحته تلك السخرية الصادرة عن قومه، والتي استنكرتها في حينها، وذهب البعض لمدى أبعد، بأنها أوغرت صدره، وادعى مغرضون بأنها دفعته للانتقام من المصريين، الذين لا يخلو بيت لديهم من رهينة لدى الوزارة.
يسرد هؤلاء وقائع شتى تدليلًا على صحة ما ذهبوا إليه، فمثلًا، هناك القرار التكديري القاضي بضرورة ألا تقل نسبة الحضور السنوي للتلميذ عن ستين بالمائة، فيما لا مدرسين كفاية للتدريس، والاعتماد الكلي للتلاميذ على الدروس الخصوصية.
هناك أيضًا قرار تزيد كثافة الفصل فيه عن خمسين تلميذًا، بينما لا توجد مدارس كفاية.
وتوالت القرارات المكدرة للعباد، المربكة للبلاد، آخرها كان قرار تقديم موعد الدراسة أسبوعين عن موعدها المعتاد، ومد الدراسة شهرًا إضافيًا.
ربما ثمة من همس في أن الوزير: «اديهم على دماغهم، دول شعب (…)»، وربما ثمة من نصحه بأن يجعل الناس في شغل عن واقعهم الأليم، بإشغال كل امرئ بما هو أقسى وأفدح من الفقر والسحل اليومي، فنصحه بأن يقلقه ويشغله بمن هم أغلى عند المرء من نفسه: ابنه، كما فعل أحمد عز باللعب في دماغ جمال مبارك.
وربما لا هذا ولا ذاك، وإنما خرجت كل تلك الأفكار من رأس الوزير.
ولكي لا نساهم في ظلمه، فليست كل القرارات تستهدف الإضرار بالجميع، بل هناك قرارات وإجراءات تصب في صالح أصحاب المدارس الخاصة، فمثلًا، لو كنت من بين ضحايا محاولات نقل الأبناء من مدرسة خاصة لأخرى حكومية، فإن رحلتك الشاقة المرهقة تستغرق شهرين كاملين بلا أدنى تفسير، سوى أن يحل عليك سبتمبر لتوقع عليك المدرسة الخاصة غرامة التأخر في سحب ملف ابنك، أو تضطر لإبقائه فيها، بينما المسؤول هو الوزارة، التي ظلت شهرين كاملين تبحث له عن مكان، وكان بالإمكان أن تخطرك قبل سبتمبر بأسابيع بانعدام وجود فرصة له في أي مدرسة، واتصرف يا مواطن.
لكنني للإنصاف، أرى أن الوزير تعامل مع ملف التعليم، وهو ملف أمن قومي يتعلق بمستقبل جيل قادم من الشعب، بعقلية مدير المدرسة التي أتى منها، تصلح قرارات الوزير الدكتور لمدرسة مكيفة فسيحة مجهزة، مزودة بالمدرسين والمراوح.
لم يخبره أحد بقلة الفصول، ولا بانعدام البيئة الآمنة فيها، ورأينا حوادث السنوات الماضية، وبالتالي لم يكن ثمة داعٍ لقرار تكديس الطلاب بنسب الحضور، سجل اسم ابني يا عمي عندك، ودعني أعلمه على حسابي خارج أسوار المدرسة، وأوفر لك مكانًا ووجبة، يصلح قرار معالي الوزير الدكتور لمدرسة.
لم يكن ثمة داعٍ لقرار تكديس الطلاب في فصول خانقة منعدمة الإمكانات والمدرسين.
لم يكن ثمة داعٍ لقرار جرجرة التلاميذ في حر سبتمبر، والمدارس بلا مراوح، ولا مدرسين، لمجرد أن يقول الوزير لمن هم أعلى منه، في الدولة والعالم، إنه يتوافق مع المعايير الدولية، وأنه يطور ويحسن، إلخ، إلخ.
وكأن هناك تعليمًا، تشبه المدارس الحكومية مدرسة الناظر في الفيلم الشهير؛ مدرس الجغرافيا يدرس الفرنساوي على بال ما يجيبوا مدرس فرنساوي، ومدرسة الإنجليش تغني: «الفصل ده طاهر، وهيفضل طاهر»... صحيح أن أغنية المعلمة في فيلم آخر، لكنها تصلح لوصف واقعنا الأليم.
ربما أدرك الوزير خطأ قراراته الكارثية، لكنه، كِبرًا، لن يتراجع عنها، ولسوف يمشي عليها الوزير القادم في الحكومة المرتقبة القريبة، باستيكّة.
يحتاج وزير التعليم العنيد لمن يتعامل معه مثلما تعامل الناظر صلاح الدين مع الطالب العنيد، حينما ألزمَه بالتعلم، بعد ما اكتسب مهارات التعامل معه بما يناسبه.
ثمة قرارات عاجلة وعادلة، يجب اتخاذها فورًا إلى حين إقالة عبد اللطيف، الذي ليس له من اسمه نصيب من اللطف بالناس في أوضاع صعبة لا تحتمل مزيدًا من صب الزيت على النار التي تغلي في الصدور. يكفي الناس ما هم فيه، ويتحملونه خوفًا من مصير متقلب، وطمعًا في مستقبل أفضل، أما ما يقرره ويفعله الوزير، فهو تهديد للمستقبل وإرباك للحاضر، في دولة لا تتحمل ظروفها تلك الألاعيب، عيب.
أولى القرارات العاجلة المطلوبة، التي تعترف بالواقع وتواكبه إلى حين تغييره، تجنبًا لسياسة «كأن عندنا تعليم، وإحنا معندناش»:
افتتاح الدراسة بموعدها الطبيعي المناسب.
إلغاء أو تخفيض الحد الأدنى لنسبة الحضور، وكل عيل على كتف أبوه.
فتح الكثافات في الفصول والمدارس، حتى يجد التلاميذ مكانًا يسجلون فيه أسماءهم طلبًا للشهادات، وكفى الله الطلاب شر التعليم وما يحدث بالمدارس والفصول والحمامات.
إلزام المدارس الخاصة بإتاحة النقل دون غرامات على أولياء الأمور، ولتتحمل الوزارة تلك الغرامات عن الناس، (تصور أنه حتى اليوم، لا يزال عشرات الآلاف لم يصلهم إخطار بقبول أبنائهم، وبالتالي لا يعلمون أين يذهبون بهم والمدارس على الأبواب؟).
لقد هدّأ العقلاء في الوزارة من ثورة كادت تندلع بين أولياء الأمور، حينما تداعوا لوقفات احتجاجية أمام الإدارات التعليمية المختلفة، وبدأ هؤلاء العقلاء في إرسال رسائل من النظام الإلكتروني للتحويل يعدونهم بمحاولات إيجاد فرص لأبنائهم في المدارس بعد أن ظلوا عالقين، وهي محاولات عاقلة لإطفاء الحريق، ستصطدم قريبًا بقرارات الوزير العنيدة، وربنا يستر على البلد وأهله من قرارات الدكتور.