من 80% إلى النصف.. هاني ميلاد يكشف تحولًا بسوق الذهب
شهدت خريطة الطلب داخل سوق الذهب المصرية تحولًا لافتًا خلال الفترة الأخيرة، مع استعادة المشغولات الذهبية جانبًا من اهتمام المستهلكين، بعد فترة دفعت خلالها القفزات السعرية شريحة واسعة من المشترين إلى تفضيل السبائك والجنيهات الذهبية بغرض التحوط والحفاظ على قيمة المدخرات.
وكشف المهندس هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، في تصريحات خاصة لـ«بلدنا اليوم»، أن التغير في سلوك المستهلك تجاه الذهب بدأ بصورة واضحة منذ نحو عامين، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الذهب وتزايد الاتجاه إلى المعدن الأصفر كوسيلة للتحوط والاحتفاظ بالقيمة والاستفادة من الارتفاعات السعرية.
وأوضح أن هذا الاتجاه لا يسير في خط واحد، إذ تتغير خريطة الطلب وفقًا لحركة أسعار الذهب والمواسم واحتياجات المستهلكين، بينما تعود المشغولات إلى النشاط بصورة أكبر خلال مواسم الزواج وفترات الصيف.
من 70 و80% للسبائك إلى سوق أقرب للتوازن
وقدم ميلاد تقديرًا لحجم التحول الذي طرأ على سلوك المشترين، موضحًا أنه خلال الفترات التي شهدت قفزات قوية في أسعار الذهب وسيطرة توقعات استمرار الصعود، كان الاتجاه نحو السبائك والمنتجات الاستثمارية يصل، وفق تقديره من واقع حركة السوق، إلى نحو 70 أو 80% من توجهات المشترين.
وأضاف أن الصورة تغيرت حاليًا بصورة واضحة، لتصبح حركة الطلب، وفق تقديره، أقرب إلى مستوى «50% مقابل 50%» بين الاتجاه الاستثماري والطلب على المشغولات.
وشدد رئيس شعبة الذهب والمجوهرات على أن هذه النسب تقديرية واستدلالية من واقع حركة السوق وليست إحصاءات رسمية أو نتائج رصد إحصائي دقيق، مؤكدًا أن النسب تتغير من فترة إلى أخرى بحسب التوقيت والأسعار وظروف السوق.
لماذا اندفع المصريون نحو السبائك؟
وربط ميلاد التحول الذي حدث خلال العامين الماضيين بالقفزات التي شهدتها أسعار الذهب وتنامي سلوك التحوط لدى المواطنين، موضحًا أن المستهلك أصبح ينظر بصورة أكبر إلى المعدن الأصفر باعتباره وسيلة للحفاظ على القيمة.
وأشار إلى أن الفترات التي تسيطر فيها توقعات استمرار ارتفاع أسعار الذهب تشهد بطبيعتها زيادة في الاتجاه نحو السبائك والجنيهات الذهبية، بينما تتغير قرارات المستهلك عندما تدخل السوق في مراحل مختلفة من الحركة السعرية.
وتتسق هذه الرؤية مع تصريحات سابقة لميلاد أكد خلالها أن السبائك ترتبط بصورة أساسية بالادخار والتخزين، بينما تجمع المشغولات بين الاحتفاظ بالقيمة والاستفادة منها في الزينة.
صيف 2026 يعيد المشغولات إلى واجهة الطلب؛ أكثر حركة وأقل تقريرية.
وكشف رئيس شعبة الذهب والمجوهرات أن المشغولات الذهبية استعادت خلال صيف 2026 جانبًا من مكانتها داخل السوق، في تحول يرتبط بالمواسم وتغير حركة الأسعار وتطور سلوك المستهلك.
وأوضح أن الطلب على المشغولات يتحسن بصورة نسبية خلال مواسم الزواج وفترات الصيف، بما يعني أن صعود الطلب الاستثماري على السبائك لا يلغي الطلب التقليدي على المشغولات.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في قراءة سوق الذهب، إذ تشير إلى أن اندفاع المستهلك نحو السبائك خلال فترات القفزات السعرية لا يمثل بالضرورة تحولًا دائمًا ونهائيًا في نمط الشراء.
أسعار الذهب تدفع الصناعة نحو الأوزان الأخف
وأكد ميلاد أن ارتفاع أسعار الذهب دفع المستهلك إلى البحث عن أوزان تتناسب بصورة أكبر مع قدرته الشرائية، وهو ما دفع سوق المشغولات بدوره إلى التطور وتوفير منتجات تتلاءم مع ميزانيات مختلفة.
وقال إن التطور في صناعة المشغولات أصبح يستهدف إيجاد المنتج والوزن المناسبين للعميل وفق الميزانية المتاحة، في محاولة للتكيف مع ارتفاع قيمة الذهب بدلًا من خروج المستهلك بالكامل من سوق المشغولات.
وبذلك لم يؤد ارتفاع أسعار الذهب فقط إلى زيادة الاتجاه نحو السبائك، وإنما دفع أيضًا سوق المشغولات إلى تغيير الأوزان والمنتجات المطروحة أمام المستهلك.
هل السبائك تهدد المشغولات؟
ورفض ميلاد التعامل مع السبائك والمشغولات باعتبارهما في منافسة مباشرة ودائمة على المستهلك نفسه، موضحًا أن الغرض من الشراء يظل العامل الأساسي في تحديد اختيار العميل.
فالمستهلك الذي يستهدف بالأساس التحوط أو الاستثمار والحفاظ على القيمة قد يتجه إلى السبائك، بينما يظل هناك مشترٍ يبحث عن المشغولات للاستفادة من الذهب في الزينة إلى جانب الاحتفاظ بقيمته.
وأكد أن زيادة الاتجاه نحو المنتجات الاستثمارية تمثل تحديًا أمام المشغولات خلال بعض الفترات، لكنه وصف هذا التحدي بأنه «وقتي»، في ظل الدورات التي يمر بها سوق الذهب بين الصعود والتصحيح وتغير اتجاهات المستهلك.
«طالما هسيبه سنة.. ليه ما ألبسوش؟»
ويرى ميلاد أن أحد العوامل التي يمكن أن تدعم عودة المستهلك إلى المشغولات يتمثل في تغير نظرته إلى الاستثمار في الذهب من المضاربة قصيرة الأجل إلى الاحتفاظ طويل المدى.
وطرح رئيس الشعبة تساؤلًا يعكس هذه الفكرة: «طالما هسيبه سنة.. ليه ما ألبسوش وأستفيد منه؟»، في إشارة إلى أن بعض المستهلكين قد يفضلون شراء مشغول يمكن استخدامه في الزينة والاحتفاظ به في الوقت نفسه، بدلًا من اقتصار الاختيار على سبيكة محفوظة بغرض الاستثمار.
وأشار إلى أن أسعار الذهب لا تتحرك في اتجاه صاعد بصورة مستمرة، وإنما تمر بفترات صعود وتصحيح، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تغير قرارات المشترين وإعادة جزء من الطلب إلى المشغولات.
وتشير تصريحات ميلاد إلى أن التحول الذي يشهده سوق الذهب المصرية لا يمكن اختزاله في انتقال نهائي من المشغولات إلى السبائك، وإنما يعكس تغيرًا مستمرًا في أولويات المستهلك وفق حركة الأسعار والغرض من الشراء والمواسم والقدرة الشرائية.
وبين الاستثمار والاستخدام الشخصي، تظل المعادلة التقليدية للذهب حاضرة في السوق المصرية؛ فالسبيكة تخاطب الباحث بصورة أساسية عن الادخار، بينما تحتفظ المشغولات بميزة الجمع بين الاحتفاظ بالقيمة والاستفادة من الذهب في الزينة، وهي المعادلة التي يلخصها ميلاد في استمرار مفهوم «الزينة والخزينة».