بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

ياسر سليم يكتب: ناصر الدين "محمد عبداللطيف".. الشنطة فيها كتاب دين

ياسر سليم
ياسر سليم

لعلنا جميعا مررنا بهذا المشهد الطفولي المضحك، إما أبطالا له أو شهودا عليه: يقع هجوم على تلميذ، فيحتمي بحقيبته المدرسية، لتتلقى الضربات نيابة عنه، صارخا: الشنطة فيها كتاب دين.


وياويل المهاجم إذا أسقط الحقيبة أرضا ضربا لصاحبها.
 

حيلة قديمة، تلقفها وزير التعليم "الدكتور" محمد عبد اللطيف، بعدما واجه سيلا هادرا من الانتقادات، ثم فضحت واقعة محافظ القليوبية واقع مدارسه، فاضطر لمحاولة الهروب من المسئولية باستدعاء ضحايا المحافظين من المعلمين، واحتضنهم وكرمهم، ثم أردف ذلك بلقاء بصحفيين وإعلاميين، كان من قبل يكيل لكثير منهم الذم والتقريع محملا إياهم مسئولية إثارة الهجوم عليه.


ثم أخيرا أخرج من حقيبته الحيلة الأقدم: كتاب الدين.


وإضافة لقراراته غير المدروسة، وسياساته غير الواقعية، التي أرهقت قطاع التعليم واستنزفت أولياء الأمور وأتعبت الطلاب وفاقمت معاناة المعلمين، وأربكت البلاد والعباد، جاء قرار مادة الدين من ناحية، ومنع الاحتفالات المخالفة للتقاليد من ناحية أخرى، كحيلة "الشنطة فيها كتاب دين".
 

يذكرني الوزير بالمرحوم الرئيس السادات، حينما أراد أن يستبقي نفسه بالحكم فأجرى استفتاء على تغيير الدستور بتحريف بسيط  لكلمة مدة أخرى، ووضع دال مكان التاء المربوطة، ليصبح من حقه الترشح للرئاسة لمدد أخرى بدلا من مدة أخرى، ومعروف لغويا، لمن يريد التعلم، أن آخر أو أخرى، تعني الشيء الثاني الذي لا ثالث له. 
 

ولكي تنطلي حيلة المرحوم على الشعب المتدين بطبعه، وضع مادة أخرى للاستفتاء عليها مع المادة المطلوبة، تقول بأن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام، وهي الشهيرة بالمادة الثانية الملغومة.
 

هل كان الشعب المتدين بطبعه، يمكن أن يقول لا للدين في الاستفتاء، وأرجو أن تقرأوا كلمة الاستفتاء صحيحة لأن البعض يجري تحريفا خبيثا ليضع سينا بدل التاء الثانية..
 

بالطبع قال الشعب المتدين منذ فجر التاريخ كلمته العاطفية، وقال نعم، فيما قالت أمه نعيمة "نعمين"، واستحقت شكرا خاصا من السلطة.
 

لا أظن أن الوزير يغازل الشعب المغلوب على أمره، ولا يريد استعطافه ولا رأيه، فلطالما دبر وقرر ومرر ما مرر عيش المصريين، مسلوبي الحق في تقرير مصيرهم، منتظرين أن تنزل فوق رؤوسهم قرارات حكومتهم الكارثية مستسلمين حتى يأتي أمر الله.
 

يغازل  الوزير من بيدهم أمره حقا، وهم متدينون أيضا بطبعهم في حقيقة الأمر، حتى يضعهم في موقف حرج إذا ما أرادوا إقالته، سيقال ساعتها: بقى تشيلوا الراجل بتاع ربنا عشان مرة واحدة أخد قرار صح ونصر الدين؟ 
 

نفس حيلة السادات، الذي قال المصريون له كلمتهم الفطرية العاطفية في الاستفتاء، ثم كان لأقدار الحكيم العليم كلمة أخرى، حينما لم يستفد السادات بتعديلاته، فمات بعدها بأسابيع، وتمرغ فيها خلفه المرحوم حسني مبارك.
 

لا يتعلم أحد من دروس التاريخ، وخصوصا عندما تعمي أضواء السلطة بصيرة الإنسان، فلا يبصر ما يبصره الجميع ويحذرونه منه.
 

جوهر كتاب الدين، لا غلافه، يقول إن الدين رحمة وعطف ورفق، ومسئولية تجاه البشر والشجر والحجر، وأن كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والوزير لا يرى رعية له إلا أصحاب المدارس الخاصة، فهو يشعر بهم وبآلامهم وحدهم، عندما يعجزون عن دفع أقساط فيلات مراسي، أو يعجزون عن التوسع في إنشاء سلاسل وفروع لمدارسهم.
 

ومع تربيح أصحاب المدارس الخاصة، تقزم سياسات وقرارات الوزير المدارس الحكومية، بخفض الإنفاق عليها، والتوسع في نوعيات المدارس ذات المصروفات الأعلى، ورأينا كيف يشقى مديرو المدارس من أجل أبسط المستلزمات.
 

خذ عندك ،مثلا، قرارت مثل تكديس الطلاب في الفصول بإلزام التلاميذ بنسبة حضور مرتفعة، مع انعدام وسائل التعليم وبيئته، وقلة أعداد للمدارس الحكومية العامة و التجريبية، ثم إلزام المدارس بنسبة كثافة لا تزيد عن خمسين طالبا بالفصل الواحد...ضع هذه الخلطة من القرارت العبثية غير الواقعية معا، لتستخلص أنك، يا ولي الأمر، لن تجد مدرسة لابنك، لأنها قليلة وممتلئة، ثم ستدوخ بحثا عن مدرسة قريبة، لأنها امتلأت بدورها، ثم ستضطر للهروب بابنك لمدرسة خاصة بعيدة، تجلس في الدور منتظرا لتستجدي مكانا لابنك ذليلا أمام مديرها أو صاحبها وهو يصفعك بالمتطلبات والمستلزمات قائلا بعجرفة واستغناء: "خمسين ألف مصاريف السنة"، هذا إن كان في قلبه رأفة وعطف وإحسان، لتردف سكرتيرته الحسناء "ده غير الاكتشيفتشي والبوكليتش".
 

تدهس المصريين اليوم عربة رأسمالية مملوكية، تنتمي لعصور خلت كان المملوك/الحاكم فيها يذل المصريين بأساليب لا دينية ولا إنسانية، فيما يتلقب بأحدهم بلقب "السلطان الناصر لدين الله، أو العادل أو  الكامل، ويقودون صلوات الجمع والأعياد، ويحجون كل عام فيما كانوا يسومون المصريين سوء العذاب.
 

ما يجري اليوم بحق المصريين من رأسمالية مملوكية، في قطاع التعليم، يحار في توصيفها أعتى محللي الاقتصاد، و أعظم منظري الرأسمالية، ولو كان المرحوم كارل ماركس حاضرا أمامها اليوم لم يكن بوسعه إلا أن يغير اسمه إلى كارل ماركيتس.
 

وضع الوزير الشنطة اللي فيها كتاب دين، بيننا وبينه، لتقيه انتقاداتنا، ولتعفيه من أن يتم إعفاؤه، وأراها الحيلة القديمة الأخيرة لوزير  طالما طالعها وتعلمها في مدارسه التي كان يديرها، ولا يجد ما يقدمه من حلول تبقي عليه.

تم نسخ الرابط