وائل السادات يكتب : اللعبة الباردة.. هل يجري ترتيب العالم قبل لحظة الانفجار؟
هناك لحظات في الأزمات الكبرى لا يكون أخطر ما فيها هو ما يحدث على الأرض، وإنما ما يحدث خلف الستار.
تحركات عسكرية لا يُعلن عنها كاملة، اتصالات سياسية مكثفة، إعادة تموضع للقوات، إجلاءات أو إغلاقات دبلوماسية، رفع لمستويات الاستعداد، رسائل متبادلة بين العواصم، وتحركات تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها عندما توضع فوق خريطة واحدة تبدأ في تشكيل صورة مختلفة تمامًا.
وهذا تحديدًا ما يجعل الساعات والأيام الأخيرة شديدة الحساسية.
لسنا أمام جبهة واحدة تتصاعد، وإنما أمام عدة جبهات بدأت تتصل ببعضها البعض: إيران والخليج، اليمن والبحر الأحمر، باب المندب وقناة السويس، ثم روسيا وأوروبا، وصولًا إلى العلاقة العسكرية المتنامية بين موسكو وبكين.
والسؤال هنا ليس ما إذا كانت حرب كبرى ستبدأ غدًا، فليس هناك ما يسمح بالجزم بذلك.
السؤال الأكثر أهمية هو:
هل بدأت القوى الكبرى بالفعل في إعادة ترتيب مواقعها استعدادًا لمرحلة جديدة، قد يكون فيها استمرار الوضع الحالي أكثر خطورة من الانتقال إلى مرحلة الحسم؟
إيران.. الحرب التي لا تستطيع واشنطن تركها مفتوحة
منذ انفجار المواجهة مع إيران، أصبحت واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد.
الولايات المتحدة لا تريد حرب استنزاف طويلة في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه لا تستطيع السماح بأن تتحول الحرب إلى وضع مفتوح تتعدد فيه الجبهات، وتتوسع فيه الهجمات على القوات الأمريكية وحلفائها، وتتعرض فيه طرق الطاقة والملاحة للخطر.
وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية.
فكل يوم إضافي من الحرب لا يعني فقط استمرار القصف المتبادل مع إيران، وإنما يعني أيضًا ارتفاع احتمال انتقال الصراع من مركزه الأساسي إلى الأطراف.
وهذا ما بدأنا نراه بالفعل.
الجبهة الإيرانية لم تعد محصورة في إيران.
اليمن دخل بقوة.
السعودية دخلت تحت ضغط مباشر.
البحر الأحمر أصبح جزءًا من المعادلة.
ومضيق باب المندب بات واحدًا من أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.
وفي الخلفية، تتجه الأنظار إلى العراق وسوريا ولبنان والخليج، حيث يمكن لأي حادث كبير أن يفتح مسارًا جديدًا لا تريده واشنطن ولا طهران بالضرورة، لكنه قد يصبح واقعًا بفعل تتابع الأحداث.
ولذلك فإن أي إشارة أمريكية إلى الرغبة في إنهاء الملف الإيراني سريعًا يجب ألا تُقرأ فقط باعتبارها رغبة في «إنهاء الحرب»، وإنما باعتبارها محاولة لمنع الحرب من التحول إلى منظومة جبهات مترابطة.
وهنا تصبح سرعة الحسم عاملًا استراتيجيًا بحد ذاته.
عودة ترامب إلى البيت الأبيض.. إشارة لا تكفي وحدها لكنها تأتي في توقيت حساس
عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصورة عاجلة إلى البيت الأبيض لا تكفي وحدها للقول إن قرارًا عسكريًا كبيرًا قد اتُخذ.
لكنها تصبح أكثر أهمية عندما توضع في سياق أزمة تتسع، ومعها تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية، وتوترات الملاحة والطاقة، ومراجعة أمريكية واسعة لانتشار القوات في أوروبا.
والأهم أن الولايات المتحدة نفسها تدخل مرحلة مراجعة عميقة لأولوياتها العسكرية.
وزارة الدفاع الأمريكية تراجع حاليًا انتشار قواتها في أوروبا، في عملية يفترض أن تستغرق عدة أشهر، مع خيارات تتراوح بين إعادة توزيع القوات وخفض أعدادها في بعض الدول. وفي الوقت نفسه، يجري الحديث عن تعزيز الوجود الأمريكي في الجناح الشرقي للناتو، بما يعني أن كلمة «انسحاب» قد تكون مضللة إذا استُخدمت وحدها؛ فإعادة التموضع تختلف استراتيجيًا عن الانسحاب.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
القوة العظمى عندما تعيد توزيع قواتها لا تكون بالضرورة بصدد تقليل قوتها، بل قد تكون بصدد تحديد أين تريد استخدامها.
وهنا يصبح السؤال:
أين تريد واشنطن أن تكون قواتها عندما تنتهي من إعادة ترتيب الأولويات؟
الشرق الأوسط؟
المحيطين الهندي والهادئ؟
أوروبا الشرقية؟
أم الاحتفاظ بقدرة مرنة على الانتقال بين هذه المسارح؟
الإجابة عن هذا السؤال أهم بكثير من مجرد عدد الجنود الذين يغادرون قاعدة أو دولة.
⸻
باب المندب.. العقدة التي يمكن أن تغيّر الحسابات
إذا كان هناك تطور واحد يجب مراقبته بصورة استثنائية خلال المرحلة الحالية، فهو ما يحدث في اليمن.
لأن اليمن ليس مجرد جبهة إضافية.
اليمن يقف عند باب المندب.
وباب المندب ليس مجرد مضيق بحري.
إنه أحد مفاتيح حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب واسع وطويل فيه يمكن أن يتحول من مشكلة عسكرية إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية.
والحوثيون يعرفون ذلك جيدًا.
بل إن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لما جرى خلال الفترة الأخيرة لا تكمن فقط في قدرة الجماعة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، وإنما في التغير الجغرافي الذي حدث على الساحل الغربي لليمن.
تقارير حديثة تحدثت عن سيطرة الحوثيين على مواقع وجزر ومناطق استراتيجية قرب باب المندب، وهو تطور يزيد قدرتهم على مراقبة المجال البحري وتهديد خطوط الملاحة. كما أن التقدم الحوثي الأخير جاء في سياق تراجع قوات يمنية مدعومة من السعودية، الأمر الذي جعل ميزان القوة على الساحل أكثر تعقيدًا.
وهنا تظهر المفارقة.
الحوثي يستطيع أن يقول إن الملاحة مفتوحة، وفي الوقت نفسه يحتفظ بقدرة عسكرية تسمح له بتهديدها.
وهذا ليس تناقضًا بالضرورة.
فقد تكون الرسالة:
نحن لا نريد إغلاق البحر بالكامل، لكننا نريد أن يعرف الجميع أننا قادرون على تعطيله إذا تجاوزت المواجهة خطوطًا معينة.
وهذه هي طبيعة أوراق الضغط الاستراتيجية.
لا تستخدمها بالضرورة كي تدمر الورقة، وإنما كي تجعل الآخرين يخشون استخدامها.
⸻
الرياض.. والرد الذي قد يفتح جبهة أكبر
الهجوم الحوثي الأخير على الرياض يمثل تطورًا نوعيًا.
السعودية أعلنت اعتراض صاروخ باليستي باتجاه العاصمة، كما أعلنت إحباط هجمات أخرى استهدفت مناطق مختلفة، بينما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن استهداف مواقع وصفوها بالحساسة في الرياض. وظهرت بالفعل مشاهد لدخان قرب مطار الملك خالد الدولي.
وهنا تدخل الرياض في معادلة صعبة للغاية.
فالهجوم على منشأة أو موقع بعيد يمكن احتواؤه.
أما وصول الصواريخ إلى العاصمة، مع اتساع نطاق الهجمات ليشمل البنية التحتية والطاقة والموانئ، فيضع أي دولة أمام ضرورة إعادة تعريف قواعد الردع.
لكن المشكلة أن الرد القوي على الحوثيين قد لا يبقى محصورًا داخل اليمن.
إيران موجودة في الخلفية السياسية والعسكرية.
والولايات المتحدة موجودة في الخلفية الاستراتيجية.
وباكستان وتركيا دخلتا في إطار دفاعي جديد مع السعودية، وقد أعلنت أنقرة استعدادها لمساعدة الرياض عسكريًا في إطار اتفاق الدفاع المشترك الثلاثي.
أي أن المسألة بدأت تتجاوز «السعودية والحوثيين».
إنها تقترب من تشكيل شبكة أمن إقليمية جديدة.
وهذه الشبكة قد تكون واحدة من أهم نتائج الأزمة الحالية.
⸻
مصر.. باب المندب ليس بعيدًا عن القاهرة
هنا تحديدًا تصبح مصر لاعبًا لا يمكن تجاهله.
مصر لا تحتاج إلى الدخول في الحرب كي تكون معنية بها.
يكفي أن يتأثر باب المندب.
فإذا أصبح البحر الأحمر منطقة عالية المخاطر لفترة طويلة، فإن شركات النقل البحري قد تضطر إلى إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح.
وهذا يعني مسافات أطول، وتكاليف أعلى، وضغطًا على التجارة الدولية، وتأثيرًا مباشرًا على حركة قناة السويس.
لذلك فإن العبارة التي تبدو بسيطة:
«باب المندب مغلق»
يمكن أن تتحول اقتصاديًا إلى:
«قناة السويس تحت ضغط».
ولهذا فإن أي تحول من تهديد الملاحة إلى تعطيل واسع للممر البحري لن يكون شأنًا يمنيًا أو سعوديًا أو إيرانيًا فقط.
سيصبح شأنًا مصريًا ودوليًا.
ومن هنا يمكن فهم الحذر المصري.
القاهرة لا تريد جبهة جديدة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع أي تغيير جذري في أمن البحر الأحمر باعتباره تطورًا بعيدًا عنها.
والقاعدة الاستراتيجية هنا واضحة:
من يملك القدرة على التأثير في باب المندب يملك ورقة ضغط على قناة السويس، ومن يهدد قناة السويس يضغط على أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
⸻
إيران.. هل تدير عدة أوراق في وقت واحد؟
هنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في الصورة.
إذا افترضنا — على مستوى التحليل لا على مستوى الإثبات — أن طهران تريد الاحتفاظ بأكبر عدد ممكن من أوراق الضغط، فإن الحوثيين يمثلون ورقة ذات قيمة استثنائية.
لأن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى إصدار أمر مباشر بكل خطوة.
يكفي أن تمتلك شبكة حلفاء تستطيع من خلالها رفع كلفة الحرب على خصومها في أكثر من مسرح.
الخليج من جهة.
البحر الأحمر من جهة ثانية.
العراق وسوريا ولبنان من جهة ثالثة.
وهذا يجعل أي محاولة أمريكية لإنهاء الملف الإيراني أكثر تعقيدًا.
لأن إنهاء الحرب في إيران لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب حول إيران.
وهذه نقطة قد تكون جوهرية في حسابات واشنطن.
⸻
وفي الجهة الأخرى من العالم.. روسيا وأوروبا
بينما تنشغل المنطقة بالشرق الأوسط، هناك مسار آخر يتطور بالتوازي.
روسيا وأوروبا تقتربان من مرحلة أكثر صدامية.
العلاقات الدبلوماسية تتراجع، والاحتكاكات الأمنية تتزايد، وألمانيا أغلقت قنصليتها في سان بطرسبورغ، وشوهدت عملية إزالة العلم والشعار الألمانيين من المبنى.
لكن الأخطر من المشهد الدبلوماسي هو المشهد العسكري.
الولايات المتحدة تعيد مراجعة انتشارها الأوروبي.
وفي الوقت نفسه، تستمر الحرب الروسية الأوكرانية، بينما تتحرك أوروبا باتجاه زيادة قدرتها الذاتية على الدفاع.
وهنا يظهر سؤال أكبر:
هل تستعد أوروبا لاحتمال أن تصبح المسؤولية الأمنية عنها أكبر مما كانت عليه خلال العقود الماضية؟
المؤشرات تقول إن هذا الاحتمال أصبح جزءًا من النقاش الرسمي، حتى لو لم يكن هناك قرار نهائي بشأن الشكل الذي ستتخذه هذه التغييرات.
وفي المقابل، أعلنت واشنطن تقدمًا في مسار إنشاء قاعدة أمريكية دائمة في بولندا، وهو ما يعني أن إعادة الانتشار المحتملة لا يمكن اختزالها في مفهوم «التراجع الأمريكي عن أوروبا».
قد يكون ما يحدث أقرب إلى:
من الغرب الأوروبي إلى الشرق الأوروبي.
ومن الانتشار التقليدي إلى الانتشار الأكثر مرونة.
⸻
الصين وروسيا.. الجزء الذي لا ينبغي تجاهله
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر النقاط إثارة للقلق الاستراتيجي.
كشفت رويترز في يوليو عن وثائق ومسؤولين أوروبيين تحدثوا عن تدريب عسكري صيني لقوات روسية خلال 2025، بمشاركة مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى، وشمل التدريب مجالات الحماية من المخاطر الإشعاعية والكيميائية والبيولوجية.
التقرير تحدث عن تدريبات على الاستطلاع الكيميائي والإشعاعي، وحماية أنظمة التهوية من التلوث، واستخدام نموذج لمفاعل نووي خلال أحد برامج التدريب. الصين نفت الرواية، بينما رفض مسؤولون روس الاتهامات باعتبارها معلومات مضللة.
وهنا يجب أن نكون دقيقين.
هذه المعلومات لا تثبت أن الصين سلمت روسيا أسلحة نووية أو بيولوجية جديدة، ولا تثبت أن بكين تستعد لاستخدام سلاح غير تقليدي في أوكرانيا.
لكنها تثبت شيئًا آخر أكثر أهمية:
أن التعاون العسكري الصيني الروسي وصل إلى مجالات شديدة الحساسية، وأن الحرب الأوكرانية أصبحت بالنسبة إلى الطرفين مساحة لاختبار الخبرات والقدرات والعقيدة العسكرية.
وهذا بحد ذاته تطور استراتيجي.
فالصين تراقب الحرب.
روسيا تقاتل فيها.
والغرب يتعلم منها.
وكل طرف يحاول أن يخرج منها بأكبر قدر من المعرفة العسكرية والتكنولوجية.
⸻
بريطانيا.. الاستعداد لا يعني بالضرورة الحرب
أما بريطانيا، فقد شهدت في الأسابيع الأخيرة ضجة كبيرة حول دعوة المواطنين للاحتفاظ بمؤن أساسية في المنازل.
لكن هنا أيضًا يجب ألا نخلط بين الاستعداد الوطني للطوارئ وبين الاستعداد الرسمي لحرب وشيكة.
الحكومة البريطانية تشجع بالفعل الأسر على الاحتفاظ بإمدادات أساسية لعدة أيام، وهو توجه قائم منذ سنوات ويتعلق بعدة أنواع من الأزمات، وليس إعلانًا عن حرب قادمة. كما أن الحكومة أكدت في رد رسمي سابق أنها تراقب تأثير التوترات في الشرق الأوسط على سلاسل الإمداد، من دون وجود خطة لإنشاء مخزون غذائي وطني.
لكن حتى مع هذا التحفظ، فإن ثقافة الاستعداد للطوارئ أصبحت أكثر حضورًا في أوروبا.
وهذا مهم.
لأن الدول لا تنتظر عادة لحظة الانفجار حتى تبدأ في بناء المرونة المدنية.
إنها تفعل ذلك عندما ترى أن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من المعتاد.
⸻
«مؤشر البيتزا».. عندما تتحول التفاصيل الصغيرة إلى إشارات استخباراتية
ومن هنا يأتي الحديث عن «مؤشر البيتزا».
الفكرة بسيطة:
عندما تستعد مؤسسات أمنية واستخباراتية لحدث كبير، قد يبقى عدد أكبر من العاملين داخل مكاتبهم لساعات طويلة، وبالتالي قد ترتفع طلبات الطعام حول تلك المؤسسات.
ومن هنا نشأت نظرية «Pizza Index».
لكن المشكلة أن هذا النوع من المؤشرات لا يمكن أن يتحول إلى دليل بمفرده.
قد يرتفع الطلب لأن هناك اجتماعًا مهمًا.
أو أزمة سياسية.
أو اجتماعًا أمنيًا.
أو حتى ضغط عمل لا علاقة له بعملية عسكرية.
ولهذا فإن التعامل الاحترافي مع هذه المؤشرات يكون باعتبارها إشارة مساعدة ضمن مجموعة إشارات، وليس باعتبارها إثباتًا.
القاعدة في تحليل OSINT بسيطة:
إشارة واحدة لا تصنع حدثًا.
لكن مجموعة إشارات مستقلة تتحرك في الاتجاه نفسه تستحق الانتباه.
وهنا تحديدًا تصبح الصورة أكثر إثارة.
⸻
الصورة عندما نبتعد خطوة عن التفاصيل
إذا ابتعدنا قليلًا عن كل حدث منفرد ونظرنا إلى الخريطة كاملة، سنجد أننا أمام ثلاثة مستويات من الصراع.
المستوى الأول هو الحرب المباشرة:
إيران، إسرائيل، الولايات المتحدة، الحوثيون، السعودية.
المستوى الثاني هو حرب الممرات:
هرمز، باب المندب، البحر الأحمر، قناة السويس، طرق الطاقة والتجارة.
أما المستوى الثالث فهو إعادة تشكيل النظام الدولي:
روسيا، أوروبا، الولايات المتحدة، الصين.
وهنا تبدأ الملفات الثلاثة في الالتقاء.
لأن من يملك الطاقة يؤثر في الاقتصاد.
ومن يملك الممرات يؤثر في التجارة.
ومن يملك القوة العسكرية يؤثر في السياسة.
ومن يملك التكنولوجيا يستطيع تغيير شكل الحرب نفسها.
ولهذا فإن ما يبدو كأنه مجموعة أزمات منفصلة قد يكون في الواقع عملية إعادة توزيع واسعة لمراكز القوة.
⸻
أخطر ما في المشهد ليس الحرب.. بل اتصال الحروب
ربما يكون هذا هو المفتاح الحقيقي لقراءة المرحلة.
الخطر لا يكمن فقط في أن تضرب أمريكا إيران.
ولا في أن يضرب الحوثيون السعودية.
ولا في أن تتصاعد الحرب في أوكرانيا.
ولا في أن تزداد المواجهة بين روسيا وأوروبا.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتصل هذه المسارات ببعضها البعض.
إيران تحتاج إلى عمق استراتيجي.
الحوثيون يملكون باب المندب.
السعودية تملك الطاقة والموقع.
مصر تملك قناة السويس.
روسيا تضغط على أوروبا.
الصين تراقب وتدعم شريكها الروسي وتوسع قدراتها.
والولايات المتحدة تحاول أن تدير كل ذلك في وقت واحد، بينما تعيد توزيع قواتها ومواردها بين مسارح متعددة.
وهذه هي معضلة واشنطن الحقيقية.
ليس السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة خوض حرب؟
السؤال:
هل تريد أن تجد نفسها في أربع حروب في الوقت نفسه؟
وهنا يمكن فهم لماذا يصبح إنهاء ملف إيران سريعًا هدفًا استراتيجيًا محتملًا، لا مجرد هدف عسكري.
⸻
لحظة الفرز الكبرى
قد نكون أمام لحظة فرز.
إما أن تنجح القوى الكبرى في احتواء كل جبهة على حدة، وإعادة فتح قنوات التفاوض، وإبقاء باب المندب مفتوحًا، ومنع الحرب الإيرانية من التحول إلى صراع إقليمي شامل.
وإما أن تفشل عملية الفصل بين الجبهات.
عندها يمكن أن يصبح البحر الأحمر جزءًا من الحرب الإيرانية.
وقد يصبح الخليج جزءًا من الحرب اليمنية.
وقد تتحول أوروبا إلى جبهة ضغط جديدة على روسيا.
وقد يصبح الدعم الصيني لموسكو أكثر أهمية.
وفي تلك اللحظة لن يعود السؤال:
أين ستندلع الحرب؟
بل:
أي جبهة ستسقط أولًا في شبكة التصعيد؟
وهذا فرق هائل.
⸻
الخلاصة.. اللعبة الباردة قبل اللحظة الساخنة
المشهد الحالي لا يسمح بالجزم بأن العالم يقف على بعد ساعات من حرب عالمية أو عملية عسكرية أمريكية كبرى.
لكن ذلك لا يعني أن ما يحدث عادي.
هناك إعادة تموضع.
هناك إعادة حسابات.
هناك ارتفاع في مستوى الاستعداد.
هناك اتساع للجبهات.
وهناك للمرة الأولى منذ فترة طويلة تداخل واضح بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر وأمن أوروبا.
السعودية تتعرض لهجمات حوثية مباشرة، والحوثيون يوسعون حضورهم على ساحل البحر الأحمر، بينما تزداد أهمية باب المندب في حسابات الصراع.
واشنطن تراجع انتشارها العسكري في أوروبا، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن ترتيبات جديدة على الجناح الشرقي للناتو.
ألمانيا وروسيا تواصلان الانزلاق نحو قطيعة دبلوماسية أعمق.
والتعاون العسكري الصيني الروسي، حتى مع نفي بكين وموسكو لبعض ما يرد حوله، أصبح أحد الملفات التي تراقبها أوروبا بقلق متزايد.
أما إيران، فقد أصبحت مركز العقدة كلها.
ومن هنا فإن قراءة الأحداث لا يجب أن تتوقف عند السؤال التقليدي:
هل ستضرب أمريكا إيران؟
السؤال الأعمق هو:
إذا قررت واشنطن إنهاء الملف الإيراني، فهل تستطيع أن تفعل ذلك من دون أن تفتح في الوقت نفسه باب المندب، والخليج، والعراق، وسوريا، ولبنان، وأسواق الطاقة؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي.
فالحرب الحديثة لا تُحسم دائمًا بالصاروخ الذي يسقط على الهدف.
أحيانًا تُحسم بمن ينجح في إغلاق الجبهات التي لا يريدها، وفتح الجبهة التي يريدها، وإجبار خصمه على توزيع قوته في أكثر من مكان.
وهنا تحديدًا تبدو «اللعبة الباردة» أخطر من الضجيج الظاهر.
لأن القوى الكبرى قد لا تكون بصدد إشعال حرب جديدة.
قد تكون بصدد تهيئة مواقعها للحظة التي يصبح فيها استمرار الحرب الحالية أقل احتمالًا من إعادة رسم قواعدها.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون أخطر الإشارات هي التصريحات العلنية.
بل تلك التفاصيل الصغيرة التي تتحرك في اتجاه واحد:
تحركات عسكرية.
قنوات دبلوماسية تُغلق.
قوات يعاد توزيعها.
حلفاء يعاد تجميعهم.
ممرات بحرية تصبح أهدافًا.
ومؤسسات أمنية تعمل لساعات إضافية.
كل واحدة منها قد لا تعني شيئًا بمفردها.
لكن عندما تبدأ الخيوط في الالتقاء…
هنا فقط تبدأ الصورة الحقيقية في الظهور.