بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

من 5 قروش إلى 20 قرشا.. ماذا ينتظر منظومة الدعم بعد رفع سعر رغيف الخبز؟

رغيف الخبز
رغيف الخبز

في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط على الموازنة العامة، عاد ملف الدعم التمويني إلى واجهة النقاش العام، في وقت تم فيه رفع سعر رغيف الخبز المدعم إلى 20 قرشاً. وتثير هذه الخطوة تساؤلات حول أثرها المباشر على ميزانية الأسر، خاصة الفئات الأكثر احتياجا، وعن مدى كفاية الإجراءات المصاحبة لها.

 

ويبرز التحدي الأكبر في كيفية إصلاح منظومة التموين بما يضمن استدامتها وتقليل تكلفتها على الدولة، دون المساس بشبكة الأمان الاجتماعي ويتمحور ذلك حول الحفاظ على دعم الخبز، وتطوير آليات الاستهداف عبر قاعدة بيانات دقيقة، وربط أي تحول مقترح للدعم النقدي بقدرة الدولة على ضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمواطن.
 

توقيت غير مناسب 

 

قال الدكتور جودة عبد الخالق، وزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، إن رفع سعر رغيف الخبز المدعم من 5 إلى 20 قرشا يمثل قفزة كبيرة في تكلفة حصول المواطن على الخبز، مؤكدا ضرورة إجراء دراسة عاجلة لتقييم آثار القرار على الاستهلاك ومستويات المعيشة والموازنة العامة، خاصة أن المواطن تحمل فارق السعر مباشرة، ما يشكل ضغطا إضافيا على ميزانية الأسرة وقد يرفع معدلات الفقر بين الفئات الأكثر احتياجا.


 

وأوضح "عبد الخالق"، أن الدعم ملف مركب لا يمكن اختزاله في سعر الرغيف، ورغم أهمية خفض عجز الموازنة، تساءل: هل رفع سعر الخبز هو أفضل وسيلة لتحقيق ذلك؟ ودعا إلى البحث أولا في بنود الإنفاق الحكومي الأخرى القابلة للترشيد، مثل مصروفات الوزراء والانتقالات والإقامة، قبل تحميل المواطن أعباء جديدة.


 

وشدد وزير التموين الأسبق، على أهمية الإبقاء على بطاقات التموين ومقرراتها دون مساس، باعتبارها أحد أشكال الأمان الاجتماعي للأسرة المصرية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، مطالبا الحكومة بجعل حماية القدرة الشرائية للمواطن ضمن أولوياتها، بالتوازي مع خفض الإنفاق العام، بدلا من الاعتماد فقط على رفع أسعار السلع المدعمة.


 

وأكد "عبد الخالق"، أن الوقت الحالي غير مناسب للتحول إلى نظام الدعم النقدي المشروط، مشترطا لنجاح أي تحول ضمان وجود دخل مستقر للمواطن لا تفقده زيادات الأسعار، إلى جانب قدرة الحكومة على ضبط الأسواق والسيطرة على الأسعار، محذرا من أن منح دعم نقدي دون رقابة على الأسواق سيؤدي إلى تآكل قيمته بسرعة وينعكس سلبا على شراء الاحتياجات الأساسية والإنفاق على الصحة.

 

أشار إلى أن أحد أبرز تحديات منظومة التموين هو مراجعة معايير استحقاق الدعم لتتوافق مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي، ضاربا مثالا بامتلاك السيارة، موضحا أنه لا يعني بالضرورة عدم الاستحقاق إذا كانت مصدر رزق، محذرا من أن الجمود في تطبيق المعايير قد يضر المستحقين بدل استبعاد غير المستحقين.
 

وتابع "عبد الخالق" حديثه مؤكدا على أن أي سياسات للدعم يجب أن تبنى على دراسة واقعية لخريطة المجتمع ومصادر دخل المواطنين وطبيعة أعمالهم، مشددا على أن تنقية البطاقات لا يجب أن تتحول إلى وسيلة للمساس بمصدر رزق المواطن أو حرمانه من دعم يستحقه.
 

دعم ضائع 
 

أكدت النائبة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، مشيرة إلى أن الدور الرقابي للنواب على زيادة أسعار السلع التموينية ورغيف الخبز يتمثل في قياس مدى وصول الدعم لمستحقيه بطرق آدمية وتقليل شكاوى المواطنين.
 

وأشارت "سعيد"، إلى استمرار بعض المخالفات مثل الغش في المخابز ووجود سوق سوداء، موضحة أن الوزير السابق للتموين كان قد أرجع ضعف الرقابة إلى نقص أعداد المفتشين وكبر سن أغلبهم وعدم وجود تعيينات جديدة، وطالبت بالتعاقد مع مفتشين لسد العجز وضمان فاعلية التفتيش على الأرض.
 

ولفتت إلى أن أبرز الشكاوى الواردة تتمثل في حذف أعداد كبيرة من المستحقين من البطاقات، نتيجة اعتماد الوزارة على آليات غير دقيقة في تحديد المستحقين، في ظل غياب قاعدة بيانات محدثة منذ توقف بحث الدخل والإنفاق عام 2021.
 

وشددت على أن الأنماط الاستهلاكية تغيرت، فلم تعد الزيت والسكر هما الأولوية الوحيدة، وطالبت بإجراء بحث دخل وإنفاق جديد وإنشاء منظومة ميكنة محترمة قبل مناقشة التحول من الدعم العيني إلى النقدي، لضمان وصول الدعم لمن يستحقه.

 

واختتمت بالقول إن المشكلة ليست في غياب التشريعات، فالدستور يكفل الحياة الكريمة، ولكن في ضعف التنفيذ، مؤكدة أن معرفة احتياجات المواطنين وأعدادهم هي الخطوة الأولى لأي إصلاح حقيقي لمنظومة الدعم.
 

النوذج الهجين 


 

قدر هاني أبو الفتوح الخبير المصرفي والاقتصادي، مخصصات دعم السلع الغذائية في موازنة 2026/2027 بنحو 175.3 مليار جنيه، موجهة لتغطية برامج يستفيد منها أكثر من 60 مليون مواطن، مشيرا إلى أن إعلان وزارة المالية لا يتضمن تفصيلا منشورا يفرق بين تكلفة دعم رغيف الخبز وتكلفة دعم السلع التموينية. 

 

وبشأن القيمة المخصصة للفرد والبالغة 50 جنيها شهريا، أوضح أنه لا توجد بيانات رسمية متاحة تقيس بدقة حجم التراجع في قوتها الشرائية داخل سلة التموين خلال العامين الماضيين، مؤكدا أن تحديد نسبة محددة يتطلب بناء مؤشر زمني لأسعار مكونات البطاقة.

 

رأى "أبو الفتوح"، أن الأنسب للواقع الاقتصادي الحالي هو تبني "نموذج هجين" يجمع بين الإبقاء على دعم الخبز عبر البطاقات الذكية لضمان حد أدنى من الأمن الغذائي، والتحول التدريجي لدعم السلع إلى دعم نقدي موجه، لافتا إلى أن تثبيت قيمة الدعم النقدي عند 50 جنيها يعرضها للتآكل السريع مع ارتفاع الأسعار، ولذلك يشترط لنجاح التحول ربط قيمة الدعم بمؤشر معلن لأسعار الغذاء.

 

وأكد الخبير الاقتصادي، أن كفاءة أي تحول مرهونة باعتماد قاعدة بيانات موحدة ودقيقة تقيس الدخل والأصول، موضحا أن هذه الآلية هي الضمانة الأساسية لوصول الدعم إلى مستحقيه وتقليل التسرب، فضلا عن مساهمتها في تحقيق انضباط أكبر في الموازنة العامة للدولة وتقليل الفاقد داخل المنظومة التموينية.


 

وفيما يخص التزامات مصر مع صندوق النقد الدولي، أوضح "أبو الفتوح"، أن البرنامج المالي يستهدف تحقيق فائض أولي نسبته 4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2025/2026، و5% في 2026/2027، مع ضرورة الحفاظ على مستويات الإنفاق الاجتماعي، مشددا على أن تحقيق هذا التوازن لا يتم بخفض عشوائي للمخصصات، بل برفع كفاءة الاستهداف.

 

واقترح "أبو الفتوح"، لضمان التوازن مراجعة قواعد الاستحقاق وتنقية البطاقات التموينية بعد تدقيق البيانات لحماية الأسر الأقل دخلا، داعيا إلى استمرار إتاحة الخبز المدعم، وتحديث القيمة النقدية للسلع بشكل دوري وفقا لمعدلات التضخم الغذائي، حيث تقلل هذه الحزمة من الإجراءات الهدر وتحصن الفئات الأكثر احتياجا من تقلبات الأسعار العالمية.

تم نسخ الرابط