خاص| "السحابة السوداء" وتأثريها على الفلاح.. كيف تضغط تكاليف الإنتاج وتقلبات المناخ على القطاع الزراعي؟
يعيش القطاع الزراعي المصري مرحلة تتقاطع فيها عدة ضغوط في توقيت واحد، بعدما أصبحت تكلفة الإنتاج والتغيرات المناخية وفجوة الأسعار بين المزرعة والمستهلك عوامل تضغط على دخل الفلاح وتعيد طرح تساؤلات حول مستقبل ربحية الزراعة.
وبينما يصف نقيب الفلاحين المشهد بـ«السحابة السوداء» التي تخيم على المزارعين، يرى الخبير الاقتصادي خالد الشافعي أن تجاوز هذه الضغوط يحتاج إلى حلول تمتد من دعم مستلزمات الإنتاج إلى تطوير التسويق والزراعة التعاقدية والري الحديث.
حسين أبو صدام: أسعار المستلزمات الزراعية في مقدمة الضغوط على الفلاحين
قال نقيب الفلاحين إن المزارعين يواجهون خلال الفترة الحالية ما يمكن وصفه بـ«السحابة السوداء» التي تخيم على القطاع الزراعي، في ظل تداخل مجموعة من التحديات الاقتصادية والمناخية التي أثرت على تكلفة الإنتاج والعائد الذي يحصل عليه الفلاح بعد بيع محصوله.
وأوضح أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج يأتي في مقدمة الضغوط التي يتحملها المزارعون، خاصة الأسمدة، التي شهدت أسعارها في السوق الحرة زيادات ملحوظة، بالتزامن مع صعوبة توفير الاحتياجات المدعمة بالكميات المطلوبة لبعض المحاصيل، وهو ما يرفع تكلفة الزراعة ويضغط على هامش الربح.
وأضاف أن ارتفاع أسعار السولار انعكس أيضا على مختلف مراحل العملية الزراعية، بداية من تشغيل معدات الري والآلات، وصولا إلى نقل المحاصيل من الحقول إلى الأسواق، الأمر الذي يضيف أعباء جديدة على المزارع في وقت أصبحت فيه تكلفة الإنتاج أحد أهم العوامل المؤثرة في قرارات الزراعة.
وأشار نقيب الفلاحين إلى أن التغيرات المناخية تمثل تحديا آخر أمام المزارعين، بعدما شهدت البلاد موجات حرارة شديدة أثرت على إنتاجية عدد من المحاصيل، خاصة بعض أنواع الخضروات والفاكهة، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى انخفاض كميات الإنتاج وارتفاع التكلفة على المزارع.
ولفت إلى أن الفلاح لا يواجه المشكلة عند مرحلة الإنتاج فقط، وإنما تمتد الأزمة إلى مرحلة التسويق، بسبب الفارق الكبير بين السعر الذي يحصل عليه من أرضه والسعر الذي يصل به المنتج إلى المستهلك، نتيجة تعدد حلقات التداول ووجود أكثر من وسيط بين الطرفين.
وأكد أن حماية المزارع تتطلب إجراءات عملية تضمن له سعرا عادلا لمحصوله، مع التوسع في الزراعة التعاقدية للمحاصيل الاستراتيجية، وربط أسعار التوريد بتكاليف الإنتاج الفعلية، حتى لا يتحمل الفلاح وحده مخاطر تقلبات الأسواق.
وشدد نقيب الفلاحين على ضرورة ضبط منظومة توزيع الأسمدة المدعمة، وضمان وصولها إلى مستحقيها، إلى جانب تطوير دور الجمعيات الزراعية في توفير مستلزمات الإنتاج والإرشاد والتسويق، بما يساعد على تخفيف الأعباء عن المزارعين.
خالد الشافعي: أسعار الأسمدة في السوق الحرة أبرز التحديات أمام المزارعين
قال خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، إن القطاع الزراعي يواجه خلال الفترة الحالية مجموعة من الضغوط المتزامنة، نتيجة ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وتداعيات التغيرات المناخية، فضلا عن اتساع الفجوة بين الأسعار التي يحصل عليها المزارع عند بيع محصوله والأسعار التي يدفعها المستهلك، وهو ما انعكس على ربحية المزارعين وزاد من الأعباء الواقعة على أصحاب الحيازات الزراعية.
وأوضح الشافعي أن ارتفاع أسعار الأسمدة في السوق الحرة يمثل أحد أبرز التحديات أمام المزارعين، بعدما تجاوزت الزيادة 40%، ليصل سعر الشيكارة زنة 50 كيلوجراما إلى ما بين 900 و1000 جنيه، بالتزامن مع محدودية الكميات المدعمة المتاحة لبعض المحاصيل، وهو ما يدفع عددا من المزارعين إلى تحمل تكلفة إضافية لتوفير احتياجاتهم من الأسمدة.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن زيادة أسعار السولار بأكثر من 15% خلال التعديلات الأخيرة انعكست بصورة مباشرة على تكلفة العمليات الزراعية، خاصة أعمال الري وتشغيل المعدات والآلات الزراعية ونقل المحاصيل، مشيرا إلى أن ارتفاع تكلفة هذه البنود يمثل ضغطا إضافيا على هامش الربح الذي يحصل عليه المزارع.
وأشار إلى أن التغيرات المناخية أصبحت عاملا مؤثرا في حسابات القطاع الزراعي، خاصة مع موجات الحرارة الشديدة التي شهدتها البلاد، والتي انعكست على إنتاجية بعض المحاصيل، لافتا إلى أن بعض الأصناف، مثل المانجو والزيتون والطماطم، تعرضت لتراجعات في الإنتاج تراوحت في بعض الحالات بين 20% و35%.
ولفت الشافعي إلى أن المشكلة لا تتوقف عند ارتفاع تكلفة الإنتاج أو تراجع الإنتاجية، وإنما تمتد إلى منظومة التسويق، في ظل وجود فارق كبير بين سعر بيع المحصول من المزرعة والسعر النهائي للمستهلك، نتيجة تعدد حلقات التداول، وهو ما قد يؤدي إلى حصول المزارع على عائد محدود لا يتناسب مع حجم التكلفة، بينما يتحمل المستهلك سعرا مرتفعا عند شراء المنتج.
وأكد أن التعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى رؤية متكاملة تبدأ بالتوسع في تطبيق الزراعة التعاقدية للمحاصيل الرئيسية، مع وضع آليات واضحة لتحديد أسعار التوريد بما يراعي التكلفة الفعلية للإنتاج ويضمن للمزارع هامشا ربحيا مناسبا، بما يساعد على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في النشاط الزراعي.
وشدد الخبير الاقتصادي على أهمية إعادة تنظيم منظومة توزيع الأسمدة المدعمة، والتأكد من وصول الحصص المقررة إلى مستحقيها، مع الاستفادة من منظومة الكارت الذكي في إحكام عمليات الصرف والحد من تسرب الدعم إلى السوق غير الرسمية.
واقترح الشافعي تعزيز دور الجمعيات الزراعية والأهلية في تسويق المحاصيل، والعمل على إنشاء منافذ وقنوات بيع مباشرة تربط المنتج بالمستهلك، بما يساهم في تقليل عدد الوسطاء وحلقات التداول، ويحد من الفجوة بين سعر المحصول في المزرعة والسعر النهائي في الأسواق.