بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

الفائدة والذهب.. لماذا لا يهبط الجرام كلما ارتفع العائد؟

بلدنا اليوم

قبل ساعات من قرار البنك المركزي المصري بشأن أسعار الفائدة، تعود إلى سوق الذهب معادلة تبدو بسيطة: رفع الفائدة يفترض أن يزيد جاذبية الادخار بالجنيه ويضغط على الذهب، بينما خفضها قد يدفع جزءًا من السيولة نحو المعدن.


لكن ما حدث في السوق المصرية خلال السنوات الماضية يكشف أن المعادلة أكثر تعقيدًا.


ويظهر تحليل أجراه «مرصد الذهب» أن الفائدة والذهب ارتفعا معًا في عدة فترات منذ 2022، قبل أن يواصل الجرام تسجيل مستويات مرتفعة خلال 2025 مع بدء تغير دورة السياسة النقدية.


الفائدة ارتفعت.. والذهب تضاعف


بدأ عام 2022 وسعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 8.25%، بينما كان جرام الذهب عيار 21 يدور قرب 800 جنيه.
وبنهاية العام، ارتفع عائد الإيداع إلى 16.25%، بينما وصل عيار 21 إلى نحو 1675 جنيهًا مع بداية 2023.


واستمر الاتجاه خلال العام التالي، إذ وصل عائد الإيداع إلى 19.25% بنهاية 2023، بينما سجل عيار 21 نحو 3170 جنيهًا مع بداية 2024.


ولا تعني هذه الأرقام أن رفع الفائدة تسبب في ارتفاع الذهب، لكنها تكشف أن القاعدة الشائعة «الفائدة ترتفع إذن الذهب ينخفض» لم تعمل بصورة منفردة في السوق المصرية.
2024 يكشف الحلقة المفقودة
ظهرت الصورة بصورة أوضح في 2024، عندما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة بإجمالي 800 نقطة أساس خلال فبراير ومارس، ليصل عائد الإيداع إلى 27.25%.
لكن الفترة نفسها شهدت تغيرًا كبيرًا في سعر الصرف، مع الانتقال إلى نظام أكثر مرونة في مارس.
وهنا تظهر الحلقة التي لا يمكن تجاهلها عند قراءة أسعار الذهب في مصر.


فسعر الجرام المحلي يتأثر بالأوقية المقومة بالدولار، وسعر الدولار مقابل الجنيه، إلى جانب ظروف العرض والطلب داخل السوق.
وبالتالي، يمكن أن يصبح تأثير تغير سعر الصرف أقوى من تأثير الفائدة المحلية نفسها على سعر الجرام.


الفائدة تنافس الذهب.. لكنها لا تسعّره


وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن قرار الفائدة يمكن أن يؤثر في توقيت شراء الذهب وحجم الأموال الموجهة إليه.
وأضاف أن ارتفاع العائد البنكي قد يدفع مشتريًا جديدًا إلى الانتظار أو اختيار شهادة ادخار، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار الذهب، إذا تحرك الدولار أو الأوقية العالمية في اتجاه أقوى من تأثير الفائدة المحلية.
وهنا يجب الفصل بين أمرين: الطلب على الذهب وسعر الذهب.


فالفائدة المرتفعة قد تجعل الشهادات والودائع أكثر جاذبية لبعض المدخرين، بما يؤثر في حركة الشراء، لكن سعر الجرام نفسه يظل مرتبطًا أيضًا بالسوق العالمية وسعر الصرف.


التضخم يدخل المنافسة


ولا تكتمل المقارنة بين الذهب والعائد البنكي من دون التضخم.


ففي فترات ارتفاع التضخم، قد يبدو العائد المصرفي مرتفعًا اسميًا، لكن المدخر ينظر أيضًا إلى قدرته على الحفاظ على القوة الشرائية لأمواله.


وفي أغسطس 2023، بلغ التضخم السنوي في المدن المصرية 37.4%، وهي فترة شهدت ضغوطًا سعرية مرتفعة رغم صعود أسعار الفائدة.


لكن المقارنة بين التضخم وعائد شهادة مصرفية يجب أن تتم على المدة الزمنية نفسها؛ فلا يصح طرح معدل تضخم شهري أو سنوي منفرد من عائد شهادة مختلفة المدة واستخلاص مكسب أو خسارة المدخر مباشرة.
هل تسحب الفائدة المشترين من الذهب؟


لا تقدم بيانات السوق إجابة بسيطة.
فبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، بلغ طلب المصريين على السبائك والعملات الذهبية 23.6 طنًا خلال 2025، مقابل نحو 24 طنًا في 2024.


ولا يكفي هذا التراجع المحدود للقول إن ارتفاع العائد البنكي سحب المشترين من الذهب، خاصة أن ارتفاع سعر الجرام يعني أن المبلغ نفسه أصبح يشتري وزنًا أقل.
وعالميًا، سجل متوسط سعر الذهب ارتفاعًا بنحو 44% خلال 2025، وهو عامل قوي انعكس بدوره على التسعير المحلي.


ماذا نراقب بعد قرار اليوم؟


كان البنك المركزي قد أبقى في اجتماعه الأخير أسعار العائد عند 19% للإيداع و20% للإقراض و19.5% لسعر العملية الرئيسية.


وبعد صدور قرار اليوم، لن يكون السؤال الأهم فقط: هل رفع البنك المركزي الفائدة أم خفضها أم ثبتها؟


الأهم لسوق الذهب سيكون مراقبة ثلاثة متغيرات: هل تتغير عوائد الشهادات والودائع بما يؤثر في قرارات المدخرين؟ ماذا يحدث لسعر الدولار مقابل الجنيه؟ وإلى أين تتحرك الأوقية عالميًا؟
وتخلص قراءة «مرصد الذهب» إلى أن الفائدة تنافس الذهب على أموال المدخرين، لكنها لا تسعّر الجرام بمفردها.
ولهذا فإن الأثر الحقيقي لقرار البنك المركزي على أسعار الذهب لن يُحسم بمجرد إعلان نسبة الفائدة، وإنما سيظهر في حركة الشراء وسعر الصرف والأوقية خلال الفترة التالية للقرار.

تم نسخ الرابط