أحمد البيلي يكتب : بخل الدمايطة شرف
طالما سمعنا تلك النكتة السخيفة وتلك المقولة الظالمة التي تردد في كل مكان أن الدمايطة بخلاء وأنهم يحبون المال أكثر من أي شيء وأنهم لا ينفقون ولا يكرمون ولا يعطون وظل هذا الاتهام يلاحق أهل دمياط في كل مكان وكأنه حكم نهائي لا يقبل النقض ولا الاستئناف حتى صدق البعض هذه الكذبة ورددها دون أن يفكر لحظة واحدة في حقيقتها
ولكن الحقيقة التي يعرفها كل من عاش في دمياط أو اقترب من أهلها أن الدمايطة بخلاء فعلا ولكن ليس في المال كما يدعي الجاهلون بل بخلاء في شيء آخر تماما بخلاء في تضييع الوقت وبخلاء في الأمور غير المهمة وبخلاء في الكلام الفارغ والجلوس على المقاهي بلا عمل وبخلاء في النوم والكسل والتواكل
الدمياطي يا سادة لا يعرف معنى أن يجلس بلا عمل فمنذ أن تفتح عينيك في الصباح الباكر تجد دمياط كلها تعمل تعمل بلا توقف فالنجار في ورشته من الفجر والحداد يطرق الحديد والموبيليا تصنع في كل شارع وفي كل حارة وحتى الأطفال تجدهم يعملون بجانب آبائهم يتعلمون الصنعة ويتعلمون أن العمل عبادة وأن العمل شرف وأن العمل هو من يصنع الرجال
في دمياط لا تجد شابا عاطلا يجلس على القهوة يشكو الزمن ويشكو الحكومة ويشكو الظروف بل تجد الشاب يعمل حتى لو كان طالبا في المدرسة أو في الجامعة فهو بعد الدراسة يذهب إلى الورشة ليساعد أباه أو ليتعلم صنعة جديدة تضمن له مستقبله فالعمل في دمياط مقدس مقدس بكل ما تحمله الكلمة من معنى فالذي لا يعمل لا قيمة له ولا احترام له بين أهله
وهنا يكمن السر الذي لا يفهمه الآخرون فالدمياطي عندما يوفر ماله ولا ينفقه في التفاهات ولا يضيعه في المظاهر الكاذبة ولا يصرفه على التدخين والمخدرات والسهرات الفارغة يظنه الناس بخيلا وهو في الحقيقة حريص حريص على تعب عرقه وعلى شقى أيامه فهو يستيقظ من الخامسة فجرا ويعمل حتى العاشرة مساء فكيف تطلب منه أن يضيع ما جمعه بعرق جبينه في أمور لا تنفع
الدمياطي يبخل بوقته لأنه يعرف أن الوقت هو المال وأن الوقت هو الحياة فلا تجده يضيع ساعة في كلام لا يفيد ولا تجده يقف في الشارع يحكي قصصا فارغة عن الناس بل هو دائما مشغول في عمله في مصنعه في ورشته في متجره يحسب الخشب ويحسب القماش ويحسب الوقت بالدقيقة والثانية لأنه يعلم أن الدقيقة التي تضيع لن تعود أبدا
وحتى أطفال دمياط علمونا درسا كبيرا في الاقتصاد وفي الحياة فالطفل الدمياطي لا يطلب من أبيه مصروفا كبيرا ليضيعه على الألعاب والحلوى بل يطلب أن يعمل ليشعر بقيمة الجنيه ويشعر بقيمة التعب فتجد الطفل في العاشرة من عمره يعرف كيف يمسك المبرد وكيف يصنع قطعة أثاث صغيرة وكيف يساعد أمه في البيت وكيف يحترم الكبير ويقدر العمل وهذا ما لا تجده في أي محافظة أخرى
إن اقتصاد دمياط كله قائم على هذه الفلسفة فلسفة العمل والادخار والحرص وليس البخل فدمياط تصنع أكثر من ثلثي أثاث مصر وتصدر الأثاث إلى كل دول العالم وكل هذا بجهود فردية وبعرق أبناءها الذين لا يعرفون الكسل ولا يعرفون التواكل وكل ورشة في دمياط هي مصنع صغير وكل بيت هو وحدة إنتاج وكل طفل هو مشروع صانع ماهر في المستقبل
وعندما تحتاج دمياط إلى الكرم تجد الكرم كله فيها ففي الأفراح تجد أهل دمياط يفرحون بكرم لا مثيل له وفي الأحزان تجدهم أول من يقف بجانبك وفي عمل الخير تجد مساجد دمياط ومدارسها ومستشفياتها كلها مبنية بتبرعات أهلها وبأموال صناعها فأين البخل إذن يا من تتهمون الناس بالباطل
إن البخل الحقيقي هو بخل اللسان عن قول الحق وبخل اليد عن العمل وبخل القلب عن حب الناس وكل هذه الأمراض لا توجد في دمياط فأهلها أطيب الناس قلوبا وأكرم الناس يدا عندما يكون الأمر يستحق وأحرص الناس على العمل والوقت عندما يكون الأمر يتعلق بمستقبل أولادهم
فيا من تتهمون الدمايطة بالبخل تعالوا إلى دمياط يوما واحدا في الخامسة فجرا وانظروا كيف تعمل المدينة كلها كخلية نحل وانظروا كيف يتصبب العرق من جباه الرجال والشباب والأطفال وانظروا كيف يقدسون العمل ويحترمون الوقت وعندها ستعرفون أن بخلهم هو سر نجاحهم وأن حرصهم هو سر تفوقهم وأن ما تسمونه بخلا هو في الحقيقة قمة الكرم كرم العمل وكرم الإنتاج وكرم بناء الوطن