سماء سليمان تكتب : الضفة الغربية.. المسكوت عنه
تعتبر الضفة الغربية هي المسكوت عنه في ظل انشغال العالم بما جرى ويجري في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، نجد أنها رغم الخطة الدولية التي وضعت لوقف الحرب في قطاع غزة بقيت الضفة الغربية ساحةً أخرى للاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة، ولكن بصوتٍ أخفض وتغطيةٍ أقل، وسط صمت دولي علما بأن ما يحدث فيها لا يقل خطورة من حيث التداعيات الديموغرافية والسياسية والإنسانية. فالضفة اليوم لا تعيش مجرد تصعيد أمني، بل تواجه مشروع تفريغ بطيء ومنهجي يعيد إلى الأذهان سياسات التهجير القسري التي عرفها الفلسطينيون منذ النكبة في غفلة من المجتمع الدولي.
يقودنا هذا الوضع إلى أن هذا المسار يرتبط بفشل مشاريع تهجير سكان قطاع غزة إلى الخارج، بعد الموقف المصري الصارم الرافض لأي تهجير قسري. ومن ثم باتت الضفة الغربية البديل الأكثر قابلية لتنفيذ سياسات التهجير التدريجي، نظرًا لتشابك السيطرة الإسرائيلية فيها وغياب ردع دولي فعّال. ويمكن توقع أن ما يجري اليوم قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الضفة ديموغرافيًا دون الحاجة إلى حرب شاملة أو قرارات رسمية، بل عبر سياسات يومية متراكمة.
ولو بدأنا بالوضع بالضفة بما فيها القدس الشرقية، والتي يبلغ عدد سكانها نحو 3.2 مليون فلسطيني وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فمنذ السابع من أكتوبر 2023، شهدت الضفة تصعيدًا غير مسبوق في العمليات العسكرية الإسرائيلية، شمل اقتحامات شبه يومية للمدن والبلدات والمخيمات، خصوصًا في شمال الضفة. ووفق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قُتل ما يقارب 730 فلسطينيًا في الضفة الغربية منذ ذلك التاريخ، معظمهم برصاص قوات الاحتلال، إضافة إلى ضحايا اعتداءات المستوطنين. كما سُجلت آلاف الإصابات، كثير منها بإصابات خطيرة، في ظل تراجع الخدمات الصحية وتقييد حركة الطواقم الطبية.
لم يقتصر التصعيد على القتل والاعتقال، بل اتخذ بعدًا عمرانيًا وديموغرافيًا بالغ الخطورة. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 1,800 منشأة فلسطينية، من بينها منازل مأهولة، هُدمت أو صُدرت منذ أكتوبر 2023، ما أدى إلى تشريد أكثر من 4,600 فلسطيني أصبحوا بلا مأوى مباشر. ولم يكن هذا الهدم عشوائيًا، بل تركز في مناطق محددة، لا سيما المخيمات والقرى الواقعة في المناطق المصنفة (ج)، حيث تُستخدم أدوات التخطيط والبناء كوسيلة ضغط سياسي وسكاني تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني على الأرض.
بلغ التأثير ذروته في مخيمات اللاجئين. ففي مخيم جنين ومخيم نور شمس وطولكرم، أدت العمليات العسكرية الواسعة، وتدمير البنية التحتية، وتجريف الشوارع، إلى نزوح جماعي للسكان. وتشير تقديرات المجلس النرويجي للاجئين إلى أن ما بين 70 و75 في المئة من سكان بعض هذه المخيمات اضطروا إلى مغادرة منازلهم خلال فترات الاجتياحات المتكررة، وسط غياب ضمانات حقيقية للعودة، ما حوّل النزوح المؤقت إلى حالة طويلة الأمد، تهدد البنية الاجتماعية للمخيمات ووظيفتها التاريخية.
وبالتوازي مع ذلك، تصاعدت اعتداءات المستوطنين بشكل غير مسبوق. فبحسب تقارير الأمم المتحدة، سُجلت أكثر من 1,500 هجمة نفذها مستوطنون ضد فلسطينيين منذ أكتوبر 2023، شملت حرق منازل ومركبات، واقتلاع أشجار، والاستيلاء على أراضٍ زراعية، غالبًا تحت حماية الجيش الإسرائيلي. ولم يعد هذا العنف هامشيًا أو فرديًا، بل بات جزءًا من منظومة السيطرة، خصوصًا مع تسليح المستوطنين ودمجهم عمليًا في مهام أمنية، ما حوّلهم إلى أداة موازية للضغط والتهجير.
ولم يبقَ النزوح محصورًا داخل حدود الضفة الغربية. فوفق تقارير أممية، نزح أكثر من 37 ألف فلسطيني داخليًا خلال عام 2025 وحده، وهو أعلى رقم يُسجَّل منذ بدء توثيق هذه البيانات. إضافة إلى ذلك، تشير تقديرات منظمات إنسانية إلى أن آلاف الفلسطينيين غادروا الضفة إلى الأردن ودول الجوار نتيجة فقدان السكن أو العمل، أو خوفًا من استمرار الاقتحامات. هذا النزيف البشري يجري بصمت، دون إعلان رسمي، لكنه يحقق النتيجة ذاتها: تقليص الوجود الفلسطيني على الأرض.
وفي هذا السياق، يبرز الغياب العربي والدولي بوصفه عاملًا مُسهِمًا في استمرار ما يجري. فالاكتفاء ببيانات الإدانة دون خطوات سياسية وقانونية ضاغطة أتاح تمرير سياسات التهجير التدريجي بهدوء.
المطلوب عربيًا هو الانتقال من الخطاب إلى الفعل، عبر تدويل ما يحدث في الضفة باعتباره تهجيرًا قسريًا مخالفًا للقانون الدولي، وتفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي والقانوني، وربط أي علاقات أو شراكات مع إسرائيل بوقف سياسات الهدم والاستيطان، إلى جانب دعم صمود الفلسطينيين اقتصاديًا وخدماتيًا، خصوصًا في المناطق الأكثر استهدافًا.
فإن المسؤولية تستوجب تحركًا عمليًا يشمل توفير حماية للمدنيين، ومساءلة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، وفرض عقوبات على عنف المستوطنين، وكسر التعتيم الإعلامي المفروض على الضفة الغربية. فالتعامل مع ما يجري باعتباره أحداثًا أمنية متفرقة يتجاهل جوهره الحقيقي كعملية تغيير ديموغرافي قسري تُنفَّذ على مراحل وببطء.
في المحصلة، لا تبدو الضفة الغربية مجرد ساحة جانبية للصراع، بل مسرحًا لسياسة طويلة النفس تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني ودفعه إلى الرحيل الصامت. وخطورة هذا المسار لا تكمن فقط في أرقامه، بل في اعتياديته ومنهجيته، وفي تحوّل التهجير إلى واقع يومي غير معلن. وما لم يُكسر هذا الصمت العربي والدولي، فإن الضفة قد تجد نفسها أمام مستقبل يُفرض بالقوة، لا عبر التفاوض، بل عبر الهدم، والخوف، وتآكل القدرة على البقاء.



