خاص |العقدة الكبرى لخطة السلام في غزة: هل ينجح «نزع سلاح حماس»؟
لا تزال قضية نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وفصائل المقاومة الفلسطينية بقطاع غزة تُمثِّـل محور الخلاف الرئيسي في المفاوضات بين الحركة والوسطاء وإسرائيل المتعلقة بالانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية وبدء الانسحاب الإسرائيلي وإعادة إعمار القطاع المدمَّر، في ظل استمرار تعنُّت تل أبيب التي تشترط تجريد القطاع من السلاح الثقيل والخفيف وتسليمها خرائط الأنفاق قبل أي حديث عن انسحاب الجيش الإسرائيلي وإعادة الإعمار، وسط غياب الضغط الأمريكي لإلزامها بتنفيذ الاتفاقات ووقف انتهاكاتها المتواصلة.
ومع اتساع الخلاف بين طرفي الصراع حول طبيعة السلاح المطلوب نزعه وآلية التنفيذ وتوقيتها, فضلا عن الجهة التي ستتسلم السلاح وخرائط الأنفاق، يُكثِّف الوسطاء جهودهم لإيجاد حلول جادة تتجاوز العقدة وتفتح الطريق أمام ترتيبات "اليوم التالي" في غزة لإنهاء الحرب وبدء مرحلة إعادة الإعمار وتحقيق تعافي مبكر لإنهاء معاناة الفلسطينيين. الأمر الذي يطرح سؤالا جوهريا: هل يشكل سلاح حماس العقبة الحقيقية في طريق التسوية؟ أم أن التعنُّـت الإسرائيلي وغياب الحسـم الأمريكي هو ما يُعطل مسارها؟
حماس لن تُسلِّم السلاح مجانا
في هذا الصدد قال الدكتور «أيمن الرقب» - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إنه يستبعد “وجود أسلحة ثقيلة لدى حماس تشكل تهديدا فعليا لإسرائيل”، مستدلا على ذلك بـ “عدم تمكن الحركة من الرد على استهدافات الجيش الإسرائيلي اليومية للقطاع وكذلك عجزها عن إعادة تصنيع الصورايخ والمقذوفات كالسابق”، مشيرا إلى أن حماس لا ترفض تفكيك السلاح لكنها “لا ترغب بتقديم هذه الورقة مجانا”.
وأوضح أنه جرى خلال الأيام الماضية عقد اجتماعات مكثفة بين الحركة والوسطاء وكذلك بينها وبين فصائل المقاومة الفلسطينية لبحث آلية وتوقيت نزع السلاح، لافتا إلى أنهم ناقشوا مرارا مبدأ "وحدانية السلاح الفلسطيني" حيث أجمع المشاركون بالاجتماعات على ضرورة وجود “سلاح فلسطيني موحد” لمواجهة أي تهديد إسرائيلي محتمل في المستقبل.

وأكد الرقب خلال حديثه لـ«بلدنا اليوم» أن نزع سلاح حماس لن يتم وفق مطالب تل أبيب التي تشترط تسليم الأسلحة الثقيلة والخفيفة وخرائط الأنفاق للجيش الإسرائيلي قبل الحديث عن انسحابه من القطاع، مشيرا إلى أن الجهة الوحيدة التي قد تتسلم السلاح والخرائط هي السلطة الفلسطينية الوطنية الجديدة أو ربما دول الوسطاء، رغم أن ذلك - حسب تقديره - له تبعات خطيرة إذ أن أي دولة ستضطلع بهذا الدور ستكون مسؤولة نوعا ما عن “حماية الفلسطينيين من اعتداءات ممنهجة”.
وأضاف: “رغم المطالب الإسرائيلية بشأن تجريد قطاع غزة من السلاح نهائيا فيما عدا أفراد الشرطة الجديدة, إلا أن حماس وفصائل المقاومة لن تتخلى عن الاحتفاظ بالأسلحة الخفيفة لمواجهة أي اعتداءات محتملة بالقطاع في ظل عدم إمكانية الوثوق بالإسرائيليين فيما يتعلق بالتزامهم بتنفيذ الاتفاقات والعهود، إلى جانب غياب الضغط الأمريكي على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ استحاقاقات المرحلة الأولى والثانية من خطة السلام ووقف انتهاكاتها المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار”.
ولفت إلى أن مسألة انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة “لا تبدو واردة حتى اللحظة بأجندة صناع القرار في تل أبيب”, مشيرا إلى أن هناك مخططا إسرائيليا بالإبقاء على نحو 7 جيوب أمنية بالقطاع، ما يعكس توجها لفرض سيطرة دائمة على أراضِِ شاسعة وبشكل مماثل لخطة مبعوث «دونالد ترامب» وصهره «جاريد كوشنر» المعروفة باسم "شروق الشمس"، والتي تقترح تقسيم القطاع إلى 8 مدن فلسطينية منفصلة وتطويقها بالوجود الإسرائيلي العسكري والاستيطاني.
وتابع: “يقوم المخطط الإسرائيلي الأمريكي للمرحلة المقبلة على بدء إعادة الإعمار في مناطق سيطرة إسرائيل بالقطاع خلف ما يُعرف بـ ”الخط الأصفر" والتي تتجاوز 53% من مساحة قطاع غزة, ثم يتم نقل السكان من مناطق سيطرة حماس على الشريط الساحلي للقطاع إلى تلك المناطق الجديدة, وذلك لتفريغ مناطق سيطرة حماس من المدنيين تمهيدا لبدء عمليات استهداف أكبر وأعنف وتوسيع مساحة السيطرة الإسرائيلية.
ويرى الرقب أنه لا توجد حاليا “حلول سياسية حاسمة” خصوصا لدى واشنطن, حيث يجري الحديث عن مشاريع اقتصادية وإنسانية كمحاولة لـ “تسكين الحرب لا إنهائها”، مؤكدا أن إدارة ترامب ستكون “مخطئة تماما” إذا ظنت أن إعادة إعمار قطاع غزة وبناء المشروعات الاقتصادية ومحاولة تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني قد تدفعه إلى التنازل بأي شكل عن حقوقه السياسية والتاريخية.
انتهاكات إسرائيل تنسف مسارات التسوية
من جانبه، أكد الدكتور «أحمد فؤاد أنور» - خبير الشؤون الإسرائيلية، أن التعنت الإسرائيلي في تمسكها بنزع السلاح وفق رؤيتها غير المنطقية “يعكس تفسيرا مخالفا لبنود خطة السلام”, وتحديدا البند الـ 17 الذي يقضي بنزع السلاح الثقيل فقط تحت إشراف قوة استقرار دولية وبشكل تدريجي ومشروط ببدء مرحلة إعادة الإعمار، مضيفا أن البند نفسه ينص على “منع استخدام القوة إذا لم تستجب حماس لنزع السلاح وإعادة الإعمار فقط في المناطق الواقعة خارج سيطرتها بقطاع غزة خلف الخط الأصفر”.

وأوضح أنور في تصريحات خاصة لـ«بلدنا اليوم», أن إسرائيل انتهكت كذلك البند الـ 19 المتعلق بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، مشيرا إلى أن هجماتها شبه اليومية على قطاع غزة وإجراءاتها الأخيرة الخاصة بتسجيل أراضي الضفة الغربية كـ "أملاك دولة" إسرائيلية، يعكس غياب أي مسار أو نوايا جادة لإنهاء العدوان الإسرائيلي المتواصل وتحقيق تعافي مبكر في القطاع المنكوب, فضلا عن إقامة دولة فلسطينية مستقلة كما هو منصوص عليه في خطة السلام الأمريكية التي اعتمدها مجلس الأمن الدولي في نوفمبر الماضي.

