بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

صالح المسعودي يكتب : الحق والهوى

بلدنا اليوم

 

كنت ما زلت طفلاً قد لا يتعد عمري الثمان سنوات ،ولكني ورغم حداثة سني ( رافقت أبي )  ( متعه الله بالصحة والعافية ) ذاك الشيخ الذي يقترب من منتصف العقد التاسع من العمر والذي حفظ الله فحفظ الله عليه عقله ( علمه بلا مداس أو جامعات ما لم يتعلمه أصحاب مراتب العلم المختلفة ) حتى لقب بالمنشد ( والمنشد هم من ينشد أو تضرب له أكباد الإبل للوصول إلى حقه ، كما أن هناك من وجهاء وكبار المساعيد من المناشد وهو وصف اختصت به قبيلة المساعيد لأنهم منهى العلم في العرف كما هو الحال في الدستورية العليا أو محكمة النقض في القضاء المدني ) ،كما أن هناك من أهل الاختصاص في القضاء العرفي مثل ( مناقع الدم وأهل الديار والضريبية وغيرهم من أهل الاختصاص كما أسلفت ) وتفصيل هذا الأمر يحتاج لكتاب كامل وليس لمقال أو عدة مقالات 
وأعود بكم مرة أخرى لمتن موضوع اليوم حيث كنت كما أسلفت ملازماً لوالدي للدرجة التي قلما سافر وتركني بالمنزل إلا في أوقات الدراسة مثلاً ( ولن أضيع وقت القارئ في وصف مكانة والدي عندي والتي تفوق مكانة نفسي التي بين جنبي وأعلم أنكم تعتقدون أيضاً أنه أمر فطري بين الولد ووالده ومنكم من هم أفضل مني براً وقرباً وأسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل البر ) اللهم آمين
ولم أكن طفلاً عادياً بل أنني لم أكن حتى أفكر أنني طفل فلم يكن لي أصدقاء من جيلي لأنني اكتشفت أن معظم أصدقاء والدي هم في وجهة نظري أصدقاء لي بالضرورة ،ولم أكن لأرهقهم بالنزول إلى سني للتعامل معي كطفل بل كنت أرى تصرفاتهم وأرتقي بكلامي وتصرفاتي وأدبي لمكانتهم وسنهم ،فكنت محظوظاً بشكل لا يوصف كيف لا ؟ وقد مُنٕحتُ بركة العمر بفضل الله ثم بفضل ما مدوني به من خبرات حياتية ( وكم أحزن الآن على الأجيال الحالية التي لم تجد نقل الخبرات بطريقة ميسرة مثل ما حدث معي ،واعزي ذلك( لرتم الحياة السريع) بل ووسائل التواصل الحديثة التي جعلت من الجالسين في مكان واحد كأنهم في جزر منعزلة وكل منهم يتصفح جواله بطريقته الخاصة )
وأعود لوالدي الذي أراد أن يختبرني في سنٍ قد يراها البعض الآن هي بداية الطفولة ولكن والدي رأى أنني يجب أن أكون راشداً رجلاً سابقاً لجيلي من وجهة نظره بالطبع ( وكانت دعوتي دائماً أن أكون عند حسن ظنه وهذا أقل البر )،فبعد إحدى الجلسات العرفية وأنا أتصفح وجه من يدلي بحجته أمام والدي وهو يتحدث بقوة وصلابة ودهاء فيخيل إليَ أن هذا الشخص على حق وأن هذا الطرف صاحب الحقيقة ، ثم يفاجئني المتحدث من الطرف الآخر بحجة مماثلة وقوة سجع وحرفية ودهاء فيتسرب لقلبي أن هذا الرجل من الممكن أن يكون على حق فتتقاذفني أمواج الأفكار والظنون وأسأل نفسي كيف سيحكم والدي على هذه الحجج القوية والتي تبارى ملقوها في فن وسجع وقوة شخصية ، كيف سيحكم بالعدل أو بالعامية ( كيف سيحكم بم يرضي الله )
وما أن انفضت الجلسة العرفية بعد حكم والدي الذي وهب حياته للإصلاح بين الناس راجياً المثوبة من مالك الملك فقط ( فالدنيا عند والدي لا تساوي شيء ) ،قلت له يا والدي عندي سؤال : قال تفضل اسأل ، قلت له كيف أحكم بما يرضي الله ؟ قال ( يا ولدي سألت عن عظيم فانتبه لما أقوله لك فإني أرى فيك الخير ) ،واستطرد مكملاً حديثه ( يا ولدي ألم تقرأ قول الله سبحانه وتعالى (  يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ولم يقل سبحانه ( بالعدل ) فالعدل مسألة نسبية ذات وجوه كثيرة لكن الحق هو أعلى درجات الإنصاف يا ولدي وهو يعلو ولا يُعلى عليه ( فإما الحق وإما الهوى ) إذاً إما الحق الذي يجعلك تستبعد القرابة والدين واللون والجنس وكل شيء لتقول الحق أو تتبع الأهواء وما تعنيه 
والكلام مازال على لسان والدي ( ولكني يا ولدي سأعطيك القول الفصل في قول الحق ) حتى تحكم بين الناس بما يرضي الله ( عليك أن تجلس الطرفين عن يمينك وعن شمالك ثم تستمع لحججهم ودفاعاتهم ،كاذبهم وصادقهم حتى لو كنت تعرف خلفيات الموضوع ،اجلس خالي الهوى وكأنك لا تعرفهم ولا يعرفوك ثم عندما تستمع لكل الحجج والدفوع احمل نفسك وضعها مكان الطرف الأول وقل لنفسك لو كنت أنت مكانه كيف سيكون تصرفي ثم احمل نفسك وضعها مكان الطرف الثاني وقل نفس الكلام ، ثم يا ولدي سيظهر لك بعدما قمت بالقياس على نفسك من منهم تعدى الخطوط الحمراء فرده إليها رداً جميلا فالأهم يا ولدي ليس رضا الجميع طالما أنك لم تدن نفسك للدنيا ولم تلوث يدك أو قلبك ( بغرض أو مرض يحيدك عن الحق ) ولكن يا ولدي عليك أن تحرص على أن يكون الحمل مكافئ لمقدرة من يحمله لأنك لو فعلت غير هذا أثقلت كاهله ولم يستطع القيام بحمله وفي هذه الحالة تكون عقدت الأمور ولم تحلها ،وليكن مجهودك يا ولدي بعد قول الحق ما استطعت أن تجبر ما كسر بين الفريقين أو الطرفين فالناس يا ولدي في المعظم جيران ،ومعظم الناس يا ولدي أصبح بينهم نسب ومصاهرة وعلاقات إنسانية وصداقات يجب أن تستمر بعد تلك الجلسة ولا تكن مثل هذه الجلسة العرفية سبباً في القطيعة بين الأطراف المتنازعة ،واحرص يا ولدي أن تجعل حقك رادعاً ليس للمخطئ فقط بل لكل من يسمع بهذا الحق وتذكر قول مالك الملك (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ) فالردع بالحق يا ولدي يعدل موازين الحياة ويمنع الزيغ 
على الرغم من أنني أطلت الحديث ( واعتذر عن ذلك ) إلا أنني تنتابني سعادة إيصال الأمانة فأسأل الله أن يجز والدي عني خير الجزاء وأن ينفعنا وينفعكم ويهدينا ويهديكم سبل الرشاد إنه أهل ذلك والقادر عليه . دمتم بخير وعافية وستر 
                                 

تم نسخ الرابط