بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

إعادة إحياء نوستالجيا زمان.. الإسكندرية تبدأ تطوير ترام الرمل بتكلفة 363 مليون يورو

بلدنا اليوم

شهدت مدينة الإسكندرية مطلع عام 2026 فصلاً جديداً من فصول تاريخها العريق، حيث بدأت فعلياً ملامح "الوداع المؤقت" لأقدم وسيلة نقل جماعي في أفريقيا، وذلك مع بدء تنفيذ خطة التطوير الشامل لترام الرمل، يجد السكندريون أنفسهم أمام مشهد استثنائي يمزج بين مشاعر "النوستالجي" المرتبطة بذكرى الترام الأزرق، وبين التطلعات الاقتصادية لمدينة ذكية تطمح لإنهاء أزمات المرور المزمنة عبر مشروع ضخم تتجاوز استثماراته حاجز الـ 363 مليون يورو.

ضرورة التطوير

يرى الخبير الاقتصادي رضا لاشين أن الإبقاء على الوضع الحالي للترام لم يعد خياراً منطقياً، موضحاً أن البنية التحتية الحالية، من قضبان وشبكة كهربائية وأنظمة إشارات، تعاني من تهالك شديد نتاج عقود من الصيانة المحدودة.

وأوضح لاشين في تصريحات لـ"بلدنا اليوم" أن التحديث الجزئي يمثل استنزافاً لميزانيات صيانة سنوية ضخمة دون رفع كفاءة التشغيل، مما يجعل العائد على الاستثمار سلبياً"، مشيراً إلى أن الحل الجذري يكمن في التحول الشامل نحو نظام النقل الذكي.

وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن  متوسط سعر التذكرة يتراوح ما بين 3 إلى 5 جنيهات، مقارنة بوسائل نقل أخرى تتجاوز 10 إلى 15 جنيهًا للرحلة الواحدة، ما يجعله عنصرًا مهمًا في تخفيف أعباء المعيشة عن شريحة واسعة من المواطنين. 

بيانات رسمية تثبت قوة الترام 

ويخدم  الترام عشرات الآلاف من الركاب يوميًا على امتداد خطوطه، وهو ما يساهم في تقليل استهلاك الوقود بما يقرب من آلاف اللترات يوميًا نتيجة تقليص الاعتماد على الميكروباصات والسيارات الخاصة. 

كما تكلفة تشغيل الترام أقل بنحو 30–40% مقارنة بوسائل النقل المعتمدة على السولار، كما أن كل جنيه يُنفق على تطوير البنية التحتية للترام يحقق عائدًا غير مباشر عبر تقليل الزحام، وخفض الانبعاثات، وزيادة الإنتاجية، فضلًا عن ارتفاع القيمة العقارية للمناطق القريبة من المحطات بنسب تُقدَّر بين 10 و20%.

 ومع تحديث الأسطول، يمكن أن يتحول الترام من عبء تشغيلي إلى أداة فعالة لدعم الاقتصاد الحضري المستدام في الإسكندرية.

رؤية للمستقبل ومصير "العربات القديمة"

وحول مقترح نقل الترام لمحافظات الصعيد أو الأماكن المفتوحة، يطرح النائب محمود عبدالمنعم وجهة نظر فنية مفادها أن الأفضل هو نقل القضبان والشبكة الكهربائية وتحديثها، بدلاً من نقل العربات القديمة ذات التكنولوجيا المتهالكة وكثيرة الأعطال. 

وأوضح عبدالمنعم في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن التحديث الذي سيشهده ترام اسكندرية سيمثل نقلة نوعية في قطاع النقل، مضيفًا أن الدولة تضع أهدافًا كبيرة تواكبًا مع التطورات التي يشهدها العالم. 

ويرى أن الحل الأمثل للمحافظات ذات الكثافة السكانية المنخفضة هو "الأتوبيس الترددي (BRT)" لكونه أقل تكلفة في الإنشاء والتعقيدات الإنشائية، مما يضمن استدامة الخدمة وكفاءتها.

على أرصفة المحطات، ينقسم الركاب، حيث يرحب "مؤيدي التطوير" كـ خالد عطية، كمسري قطار، أن الفكرة ستلغي الاختناق المروري عبر فصل مسار الترام تماماً عن حركة السيارات وتقليل الانبعاثات الكربونية والضوضاء.

وأكد "عطية"، أن قطاع النقل يشهد طفرة كبيرة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بفضل الخطط الاستراتيجية الحديثة التي وضعتها الحكومة، لإحداث نقلة نوعية في مختلف قطاعات الدولة. 

 في المقابل، يخشى "عشاق التراث" مثل محمد فتحي، أحد ركاب الترام من فقدان السحر التاريخي، إلا أن المشروع يستند إلى تجارب عالمية نجحت في الموازنة بين الحداثة والتراث كما حدث في مدن مثل إسطنبول بتركيا ولشبونة بالبرتغال وفرنسا، حيث تم دمج التكنولوجيا المتطورة مع الحفاظ على الملامح البصرية العريقة.

أهم ما يميز المشروع الجديد هو النقلة النوعية في الطاقة الاستيعابية والسرعة، خاصة وأن الترام الحالي يقوم بنقل حوالي 4700 راكب في الساعة، يستهدف التطوير الذي تنفذه شركات عالمية كبرى (مثل ميتسوبيشي وهيتاتشي) رفع هذا العدد إلى قرابة 13.8 ألف راكب في الساعة، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف القدرة الحالية. 

كما سيتم تقليص زمن الرحلة من 60 دقيقة إلى 35 دقيقة فقط، وهو ما يترجم اقتصادياً وفقاً للاشين إلى "استعادة ملايين الساعات المهدرة وتوجيهها نحو العمل والإنتاج".

العائد الاقتصادي.. ما وراء التذاكر والركاب

لا تقتصر جدوى المشروع على نقل الركاب، بل تمتد لتشمل رؤية اقتصادية شاملة؛ حيث سيؤدي تحويل الركاب من الميكروباصات والسيارات الخاصة إلى الترام الكهربائي لتوفير ملايين الجنيهات من فاتورة دعم الوقود سنوياً.

 بالإضافة إلى ذلك، يتوقع أن تشهد المناطق المحيطة بالمحطات "السريعة والمطورة" ارتفاعاً في قيمتها السوقية والعقارية، مما يرفع حصيلة الضرائب وينعش النشاط التجاري، فضلاً عن خلق آلاف فرص العمل المباشرة والخدمية أثناء وبعد فترة الإنشاءات.

تحدي العامين القادمين

يظل التحدي الأكبر هو إدارة فترة التوقف المؤقت التي ستمتد لنحو عامين، حيث وفرت الدولة 153 وسيلة نقل بديلة لاستيعاب حركة المواطنين.

 ومع اكتمال المشروع، ستكون الإسكندرية قد طوت صفحة "الترام العجوز" لتفتح فصلاً جديداً من المواصلات العصرية التي تليق بمكانتها كعروس للبحر الأبيض المتوسط، محققة توازناً صعباً بين حماية البيئة، وتعظيم الاستثمار، وتوفير سبل الراحة للمواطن السكندري.

تم نسخ الرابط