بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

الممرات البحرية الجديدة ومضيق هرمز: قراءة استراتيجية في توازنات الردع والتحكم

الباحث حسين قنبر
الباحث حسين قنبر مدير مركز دراسات الشرق للسلام

قالت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، إن مدمرتين مزودتين بصواريخ موجهة تابعتين للبحرية الأمريكية، بدأتا عمليات إزالة الألغام في مضيق هرمز، حيث لا تزال بعض السفن غير قادرة على العبور عبر الممر المائي الحيوي، رغم وقف إطلاق النار.

ومن جانبه، قال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية: "لقد بدأنا، عملية إنشاء ممر ملاحي جديد، وسنشارك تفاصيل هذا المسار الآمن مع القطاع البحري قريباً، وذلك بهدف تشجيع التدفق الحر للحركة التجارية".

 

وفي هذا السياق، قال الباحث حسين قنبر مدير مركز دراسات الشرق للسلام دبلوم في العلاقات الدولية والدبلوماسية والقانون الدولي، في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الأمنية في منطقة الخليج، برزت في الآونة الأخيرة إشارات إلى إعلان القيادة الأمريكية عن ما يُوصف بـ"ممر ملاحي جديد".

 وقد أثار هذا الإعلان تساؤلات جوهرية حول طبيعته، وحدوده، وعلاقته بمضيق هرمز، الذي لا يزال يمثل أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.

من المهم، ابتداءً، تفكيك هذا المفهوم بعيداً عن التفسيرات التبسيطية. فالممر الملاحي الجديد لا يشير إلى إنشاء مسار جغرافي بديل بالمعنى التقليدي، بل هو أقرب إلى إطار عملياتي أمني متطور يهدف إلى تأمين حركة الملاحة ضمن المسارات القائمة. هذا الإطار يعتمد على أدوات تكنولوجية حديثة، تشمل أنظمة المراقبة الذكية، والسفن غير المأهولة، والتنسيق متعدد الأطراف، بما يعكس تحولاً في طبيعة إدارة المجال البحري من السيطرة الصلبة إلى التحكم الشبكي المرن.

في هذا السياق، يبقى مضيق هرمز ثابتاً جيوسياسياً لا يمكن تجاوزه بسهولة. فالموقع الجغرافي للمضيق، وحجم التدفقات النفطية التي تمر عبره، يجعلان من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – استبداله بممر بديل يؤدي الوظيفة ذاتها بالكفاءة نفسها. وبالتالي، فإن أي حديث عن "بديل" هو في جوهره حديث عن تقليل الاعتماد النسبي أو إدارة المخاطر، وليس الإلغاء الكامل للدور الاستراتيجي للمضيق.

وعليه، يمكن فهم التحرك الأمريكي بوصفه محاولة لإعادة صياغة معادلة الأمن البحري في الخليج. فبدلاً من السعي إلى تغيير الجغرافيا، يجري العمل على تحييد تأثيرها، عبر خلق ممرات آمنة داخل البيئة الخطرة نفسها. هذه المقاربة تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التهديدات المعاصرة، التي لم تعد تقليدية أو متماثلة، بل باتت تعتمد على أدوات منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

أما فيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية المرتبطة بمضيق هرمز، فيمكن مقاربتها ضمن أربعة مسارات رئيسية:

أولاً، سيناريو التوتر المنضبط، وهو الأكثر ترجيحاً، حيث تستمر حالة الشد والجذب دون الوصول إلى مواجهة شاملة. في هذا السيناريو، يُستخدم المضيق كورقة ضغط سياسية واستراتيجية، دون تعطيل كامل لحركة الملاحة.

ثانياً، سيناريو الألغام البحرية، الذي يمثل أحد أخطر أشكال التهديد غير المتكافئ. فزرع عدد محدود من الألغام يمكن أن يؤدي إلى تعطيل جزئي أو مؤقت للملاحة، مع تأثير نفسي واقتصادي يفوق بكثير حجم الفعل ذاته. هذا النوع من التهديدات يصعب احتواؤه بسرعة، ويخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية.

ثالثاً، سيناريو التعطيل الانتقائي، من خلال استهداف سفن معينة أو احتجازها أو فرض قيود على مرورها. وهنا يتحول المضيق إلى أداة ضغط دقيقة، تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية محددة دون التصعيد إلى مستوى الإغلاق الكامل.

رابعاً، سيناريو الإغلاق الشامل، وهو الأقل احتمالاً نظراً لكلفته الباهظة على جميع الأطراف. إذ إن أي محاولة لإغلاق المضيق بشكل كامل ستؤدي إلى ردود فعل دولية واسعة، وقد تفتح الباب أمام مواجهة عسكرية لا يمكن التحكم بمآلاتها.

في ضوء هذه السيناريوهات، يتضح أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا تهدف إلى استبدال المضيق، بل إلى تقليل قابليته للتحول إلى نقطة اختناق حاسمة. وهذا يعكس انتقالاً أوسع في الفكر العسكري والاستراتيجي، من منطق الهيمنة المباشرة إلى منطق إدارة المخاطر وتعقيد بيئة التهديد أمام الخصوم.

خلاصة القول، إن مضيق هرمز سيظل، في المدى المنظور، أحد أعمدة النظام الجيوسياسي العالمي في مجال الطاقة. غير أن طبيعة السيطرة عليه لم تعد مرتبطة بالوجود العسكري التقليدي فحسب، بل باتت تعتمد على منظومات متكاملة من الردع الذكي، والتكنولوجيا، والتنسيق الدولي. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الممر الملاحي الجديد كأداة ضمن منظومة أوسع لإعادة تشكيل التوازنات، لا كبديل جغرافي، بل كآلية لإدارة التهديد وتحييد مخاطره ضمن بيئة شديدة التعقيد.

تم نسخ الرابط