بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

أزمة السولار في مصر: تداعيات ممتدة من المصانع إلى موائد المواطنين

بلدنا اليوم

تعيش الدولة تحدياً اقتصادياً مزدوجاً يجمع بين الضغوط التضخمية العالمية وأزمات سلاسل الإمداد المحلية، ويظل "السولار" هو الحلقة الأضعف والأهم في آن واحد، كونه المحرك الرئيسي للعديد من المجالات والقطاعات المختلفة، فهو وقود النقل، وماكينات الزراعة، والبديل الاضطراري لتشغيل المصانع ومحطات الكهرباء عند نقص الغاز، حيث إن أي اضطراب في إمدادات هذا المنتج، أو تحرك في أسعاره العالمية، يرتد فوراً على أرقام الموازنة العامة، ومعدلات نمو القطاع الصناعي، وصولاً إلى جيوب المواطنين.

التأثير على الميزانية العامة وعجز الموازنة

وفي هذا التقرير تستعرض صحيفة "بلدنا اليوم" رأي الخبراء حول هذه الحبكة الدراماتيكية، ليؤكد الدكتور فخري الفقي أن الموازنة شديدة الحساسية لتحركات أسعار النفط العالمية، مضيفًا أن الدولة تضع سعراً تأشيرياً لبرميل خام "برنت" (مثلاً 80 أو 85 دولاراً)، وأي زيادة عالمية فوق هذا الرقم تعني أن الحكومة مطالبة بتدبير مبالغ إضافية بالدولار لتغطية الفارق. 

وأضاف الفقي في تصريحات خاصة، أن كل زيادة قدرها دولار واحد في سعر البرميل ترفع العجز الكلي للموازنة بما يتراوح بين 4 إلى 5 مليارات جنيه، مما يضغط على مخصصات التعليم والصحة والخدمات الأخرى.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الصعوبة في توفير السولار لا تكمن فقط في سعره، بل في "الفجوة التمويلية"، مشيرًا أن الحكومة تشتري الوقود بالدولار وتبيعه للمواطن والمصانع بالجنيه، وهذا يتطلب تدفقاً مستمراً للعملة الصعبة من مصادرها (قناة السويس، السياحة، التصدير).

وأفاد فحري الفقي:" عند حدوث أي تراجع في هذه الموارد، تجد وزارة المالية نفسها أمام خيار صعب: إما الاقتراض لتمويل شحنات الوقود، أو تقليل الكميات المستوردة، مما يؤدي لنقص المعروض في المحطات".

وشدد الفقي أن "آلية التسعير التلقائي" هي أداة ضرورية لحماية الموازنة من الصدمات، لكنها يجب أن تقترن بشبكة حماية اجتماعية قوية. 

وتوقع أن استدامة الإمدادات تتوقف على قدرة الدولة على تقليل الاعتماد على الاستيراد من خلال زيادة الإنتاج المحلي من التكرير، وهو ما بدأ يحدث بالفعل عبر مشروعات مثل "مجمع أسيوط للتكرير" الذي يهدف لتأمين احتياجات الصعيد من السولار تحديداً.

التحديات اللوجستية وتوقف المصانع

 وفي سياق متصل، أكد رضا لاشين، الخبير الاقتصادي، أن توقف بعض المصانع بسبب نقص السولار هو نتيجة لعملية "المفاضلة القسرية" التي تضطر إليها الدولة في أوقات الذروة، مضيفًا أنه عندما يزداد الضغط على الشبكة القومية للكهرباء، يتم توجيه كميات أكبر من الغاز والمازوت والسولار لمحطات التوليد لضمان عدم انقطاع التيار عن المنازل، مما يقلل الحصص الموجهة للمصانع كثيفة الاستهلاك. 

وأضاف لاشين، أن الموردين الدوليين يطلبون ضمانات دفع فورية أو اعتمادات مستندية معززة، وفي ظل تقلبات سعر الصرف، قد تتأخر بعض الناقلات في تفريغ حمولتها في الموانئ المصرية (مثل ميناء العين السخنة أو الإسكندرية) حتى يتم التأكد من التحويلات المالية. 

وأشار إلى أن هذا التأخير "اللوجستي-المالي" هو السبب الرئيسي وراء ظهور أزمات مؤقتة في بعض المحافظات رغم وجود تعاقدات قائمة.

وفي رؤية الخبير الاقتصادي، أكد أن الحل الجذري لا يكمن في الاستيراد، بل في تحويل المصانع المصرية للعمل بالغاز الطبيعي بالكامل أو الطاقة المتجددة حيثما أمكن، وتقليل الاعتماد على السولار في العمليات الصناعية.

أزمة الاستيراد والسيناريوهات التقنية

 وأوضح مدحت يوسفـ، الخبير الاقتصادي، أن مصر استطاعت تحقيق اكتفاء ذاتي في العديد من المنتجات، لكن السولار يظل الاستثناء الأبرز بسبب ضخامة الاستهلاك في قطاعي النقل والزراعة. 

وأكد يوسف أن أي رفع في أسعار النفط العالمية يضع الهيئة العامة للبترول تحت ضغط هائل، لأنها المسؤولة عن تدبير السيولة لاستيراد نحو 30% من احتياجات السوق المحلي، وهي كمية ضخمة تتأثر بأي حركة في البورصات العالمية.

يلفت يوسف الانتباه إلى أن السولار "سلعة عالمية" تشتد المنافسة عليها، خاصة في فصل الشتاء في أوروبا حيث يستخدم للتدفئة

وأضاف الخبير الاقتصادي، أن هذا التنافس يرفع سعره عالمياً ويجعل الحصول على شحنات فورية أمراً مكلفاً وصعباً، مضيفًا أن "السوق السوداء" تظهر فور شعور المستهلك أو صاحب المصنع بنقص الكميات، مما يؤدي لتخزين المنتج وتفاقم الأزمة بشكل مصطنع، وهو ما يتطلب رقابة صارمة على منظومة التوزيع من المستودعات إلى المحطات.

تأثير الطاقة على الزراعة والأمن الغذائي

وفي السياق ذاته، ركز الدكتور رشاد عبده على "الارتباط الشرطي" بين سعر السولار وأسعار الغذاء في مصر. فالزراعة المصرية تعتمد في أغلب مراحلها على السولار، بدءاً من تشغيل طلمبات الري، وصولاً إلى الجرارات والآلات الحاصدة، مؤكدًا أن نقص السولار أو رفع سعره دون دراسة يؤدي إلى ارتفاع فوري في تكلفة "الفدان"، مما يجبر الفلاح على رفع سعر المحصول، وهذا يغذي التضخم في السلع الأساسية التي تمس حياة المواطن اليومية.

وأشار عبده إلى أن قطاع النقل يستهلك الحصة الأكبر من السولار، وأي نقص فيه يشل حركة نقل الخضروات من المزارع إلى أسواق الجملة (مثل سوق العبور وأكتوبر)، موضحًا أن هذا الشلل يؤدي لقلة المعروض في الأسواق وارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر.

تم نسخ الرابط