من أزمة الطاقة إلى اقتصاد أخضر.. هل تقود الطاقة النظيفة مستقبل النمو في مصر؟
في ظل السياسات الحالية لترشيد استهلاك الكهرباء وإدارة الأحمال بكفاءة عالية، تزامنًا مع الاضطرابات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، خاصة مع إغلاق أحد أهم الممرات الملاحية لتجارة النفط العالمية "مضيق هرمز"، أصبحت الدولة أكثر استعدادًا لمواجهة مثل هذه الصدمات، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على استقرار منظومة الطاقة وحماية المواطنين والاقتصاد.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة باعتباره أحد أهم المسارات الاستراتيجية التي يمكن أن تخفف من حدة الضغوط على شبكة الكهرباء، وتحقق في الوقت ذاته عائدًا اقتصاديًا وتنمويًا مستدامًا.
كما أن العديد من الدول حول العالم تعتمد بالفعل على الطاقة النظيفة كخيار رئيسي، وهو ما يسهم في تقليل الضغط على استهلاك الكهرباء وخفض الانبعاثات.
ضغط الطاقة التقليدية يعيد تشكيل معادلة التشغيل
تعتمد قطاعات واسعة من الاقتصاد على الكهرباء باعتبارها عنصرًا أساسيًا في التشغيل، سواء في الإنتاج الصناعي أو الخدمات أو تجارة التجزئ، ومع ارتفاع تكلفة الطاقة عالميًا وتزايد أعباء الإنتاج، أصبحت فاتورة الكهرباء تمثل ما بين 15% إلى 35% من إجمالي تكاليف التشغيل في العديد من المشروعات المتوسطة، وقد ترتفع هذه النسبة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأكدت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، أن التحول إلى الطاقة النظيفة يمثل ركيزة أساسية لدعم النمو الاقتصادي، موضحة أن هذا التوجه لا يقتصر على البعد البيئي فقط، بل يشمل رفع الإنتاجية وخلق فرص عمل جديدة وزيادة تنافسية الاقتصاد المصري.
وأضافت المشاط، في تصريحات صحفية، أن التوسع في الاستثمارات بمجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر يسهم في دعم مسار التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة، ويعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
وأشارت إلى أن الضغط على منظومة الطاقة لا ينعكس فقط على التكلفة، بل يمتد إلى الإنتاجية نفسها، خاصة في ظل فترات تخفيف الأحمال أو ارتفاع أسعار التشغيل البديل مثل المولدات والوقود، ما يؤدي إلى خسائر غير مباشرة في بعض الأنشطة الاقتصادية.
الطاقة النظيفة كأداة لتخفيض التكلفة وليس فقط لحماية البيئة
لم يعد التحول إلى الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح مجرد خيار بيئي، بل أصبح قرارًا اقتصاديًا مهمًا يرتبط بشكل مباشر بهوامش الربح والاستدامة المالية للمشروعات، وفقًا لما أكده رضا لاشين، الخبير الاقتصادي.
وأوضح لاشين، في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن الاعتماد الجزئي على الطاقة الشمسية في المشروعات التجارية يمكن أن يخفض فاتورة الكهرباء بنسبة تتراوح بين 40% إلى 70%، بينما قد تصل النسبة في بعض المشروعات الصناعية إلى نحو 80% عند الدمج بين الشبكة العامة والطاقة الشمسية.
وأضاف أن هذا التحول يعني أن مشروعًا ينفق نحو 50 ألف جنيه شهريًا على الكهرباء، يمكنه تقليل الفاتورة إلى ما بين 15 و25 ألف جنيه، بما يحقق وفورات سنوية قد تتجاوز 300 ألف جنيه في بعض الحالات، وهو ما يمثل نسبة مؤثرة من أرباح المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
العائد الاستثماري.. من التكلفة إلى الربحية
وفي سياق متصل، أوضح الدكتور سيد الطاهر، خبير الطاقة، أن مصر تسير في اتجاه واضح نحو تنويع مصادر الطاقة، عبر التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي وتحقيق استقرار أكبر في منظومة الكهرباء، إلى جانب خفض الانبعاثات الكربونية.
وأضاف الطاهر أنه رغم أن تكلفة تركيب أنظمة الطاقة الشمسية تمثل عائقًا أوليًا لبعض المستثمرين، فإن فترة استرداد الاستثمار تتراوح عادة بين 3 إلى 6 سنوات، في حين تمتد دورة حياة هذه الأنظمة إلى نحو 20 إلى 25 عامًا.
وأشار إلى أن مصر تمتلك مقومات قوية تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة، مؤكدًا أن التوسع في طاقة الرياح والطاقة الشمسية يمثل بوابة مباشرة نحو اقتصاد الهيدروجين الأخضر.
توفير في الوقود وتحسين في الميزان الخارجي
على المستوى الاقتصادي العام، يمثل التوسع في الطاقة المتجددة وسيلة مباشرة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وبالتالي خفض فاتورة استيراد الغاز والمازوت المستخدمين في إنتاج الكهرباء.
كما أن تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي يسهم في تحسين ميزان المدفوعات، ويدعم استقرار الاقتصاد الكلي، إلى جانب تعزيز قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو قطاعات إنتاجية أخرى ذات قيمة مضافة أعلى.