بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

نُصدر الكهرباء ونستورد الغاز.. لماذا يدفع المواطن فاتورة أعلى؟

بلدنا اليوم

تأثير فاتورة الكهرباء على جيب المواطن.. أين الحكومة؟

103 مليار دعم الحكومة للكهرباء.. لماذا يتثقل كاهل المواطن؟

تخفيف الأحمال عادت على فاتورة الكهرباء بالسلب والمواطن يدفع التكلفة 

الحكومة تعلن ارتفاع صادراتها من الكهرباء، وتؤكد أن الكهرباء أصبحت مؤمنة، وأن الشبكة القومية قادرة على تلبية الطلب خلال فصل الصيف، مع التأكيد على عدم اللجوء إلى تخفيف الأحمال، وغيرها من المصطلحات التي أصبحت متداولة أمام المواطنين، ليجد المواطن نفسه في المقابل أمام فاتورة كهرباء أعلى تكلفة، تؤثر بصورة مباشرة على ميزانيته والتزاماته المعيشية، وذلك بعد قرار الحكومة زيادة تعريفة الاستهلاك المنزلي بمتوسط 12%.

هذه الزيادة أعادت طرح سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل وراءه أعباء ملايين المواطنين: إذا كانت الكهرباء متوفرة، فلماذا ترتفع تكلفتها؟ وإذا كانت مصر تمتلك قدرات توليد ضخمة وتتوسع في الطاقة المتجددة، إلى جانب تصدير الكهرباء إلى دول الجوار، فلماذا لا تنخفض فاتورة الكهرباء أمام المواطن؟

الإجابة تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنها تتضح عند تفكيك تصريحات المسؤولين وتحليلات الخبراء، إذ تشير المعطيات إلى أن مصر لم تعد تواجه أزمة «وجود كهرباء» بالمعنى التقليدي، وإنما تواجه أزمة أكثر تعقيدًا تتعلق بتكلفة إنتاج الكهرباء، وتكلفة الوقود المستخدم في تشغيل محطات التوليد، والفجوة بين سعر البيع للمستهلك والتكلفة التي تتحملها الدولة.

من أزمة انقطاع الكهرباء إلى أزمة تكلفة الطاقة

على مدار السنوات الماضية، كان السؤال الأكثر تداولًا بين المواطنين: هل تستطيع الدولة توفير الكهرباء دون انقطاع؟

أما اليوم، وبعد توسع قدرات التوليد واستقرار الشبكة القومية، فقد تغير السؤال إلى: بأي تكلفة يتم توفير هذه الكهرباء؟

وفي بيان لوزارة الكهرباء، أكدت الدولة استمرار دعم أسعار الكهرباء خلال العام المالي 2026/2027، رغم الزيادة الأخيرة، وأن قيمة الدعم تتجاوز 103 مليار جنيه سنويًا، بما يشير إلى أن السعر الذي يدفعه المواطن لا يزال أقل من التكلفة التي تتحملها الدولة بالنسبة إلى بعض شرائح الاستهلاك.

لماذا ارتفعت فاتورة الكهرباء الآن؟

الخبراء الذين تحدثوا عقب القرار الأخير يرون أن أحد أهم أسباب ارتفاع تكلفة الكهرباء يرتبط بارتفاع تكلفة الوقود، خصوصًا الغاز الطبيعي المسال المستورد، في ظل تراجع الإنتاج المحلي من الغاز وارتفاع احتياجات قطاع الكهرباء.

وفي هذا السياق، أكد هاني جنينة، الخبير الاقتصادي، أن الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي تراجع إلى أقل من 4 مليارات قدم مكعبة يوميًا، بينما يبلغ متوسط الاستهلاك نحو 6.5 مليار قدم مكعبة يوميًا، بما يعني أن الإنتاج المحلي يغطي نحو 55% إلى 58% من الاحتياجات فقط.

وأوضح جنينة، في تصريحات خاصة لـ«بلدنا اليوم»، أن حساسية هذه الفجوة تزداد نظرًا إلى كون قطاع الكهرباء أكبر مستهلك للغاز في مصر، إذ يستهلك نحو 60% من إجمالي الاستهلاك المحلي، بحسب تقديراته.

وأشار إلى أن أي نقص في الإنتاج المحلي يتحول سريعًا إلى احتياج للاستيراد، وأي زيادة في تكلفة الاستيراد تنعكس بدورها على تكلفة إنتاج الكهرباء.

الغاز.. الحلقة المفقودة في قصة الكهرباء

وأوضح هاني جنينة أن الدولة تسد جزءًا من فجوة الغاز من خلال الاستيراد، سواء عبر خطوط الأنابيب أو الغاز الطبيعي المسال، لافتًا إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري خلال فترات التوترات الإقليمية يزيد بدوره من تكلفة الغاز المستورد.

وعليه أشار إلى أن المواطن الذي يرى محطة كهرباء تعمل بصورة طبيعية قد لا يرى الجزء الآخر من الصورة: كم كلف تدبير الوقود الذي جعل هذه المحطة تعمل؟

«الكهرباء موجودة» لا تعني «الكهرباء رخيصة»

هنا تحديدًا أكد محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في رفع الأسعار، وإنما في الاعتماد المتكرر على زيادة أسعار الخدمات العامة لمعالجة ارتفاع التكلفة أو نقص الموارد.

ويرى فؤاد أن المشكلة الأساسية تتمثل في ضرورة البحث عن آليات لخفض تكلفة الإنتاج نفسها، بدلًا من الاعتماد بصورة مستمرة على زيادة أسعار الخدمات لتقليص الأعباء المالية.

وأفاد أنه يمكن للدولة أن ترفع سعر بيع الكهرباء، فتتقلص الفجوة بين الإيرادات والتكلفة، لكن إذا ظل الغاز المستورد مرتفع السعر، وظلت تكاليف التشغيل والصيانة والاستثمار مرتفعة، فإن أصل المشكلة سيظل قائمًا.

الطاقة المتجددة.. لماذا لا تنخفض الفاتورة فورًا؟

وفي سياق متصل أكد أشرف غراب، الخبير الاقتصادي أن مصر تراهن في الوقت نفسه على الطاقة المتجددة باعتبارها أحد الحلول طويلة الأجل لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.

وأوضح أنه مع دخول الطاقة الشمسية والرياح إلى مزيج الطاقة لا يعني بالضرورة انخفاض تكلفة الكهرباء بصورة فورية.

وأشار إلى أن الطاقة المتجددة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في محطات الإنتاج وشبكات النقل والتوزيع والتخزين، كما تحتاج الشبكة إلى قدرات تقليدية احتياطية للتعامل مع التغير في إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وأفاد :"إن التوسع في الطاقة المتجددة يمكن أن يساهم في خفض فاتورة الوقود على المدى الطويل، لكنه لا يلغي في الوقت نفسه تكلفة الاستثمارات القائمة، أو تكاليف تشغيل الشبكة وتطويرها".

صندوق النقد يدخل على الخط

يرى صندوق النقد الدولي أن إصلاح أسعار الطاقة يستهدف الوصول تدريجيًا إلى مستويات تعكس تكلفة الإنتاج، مع توجيه الدعم بصورة أكثر استهدافًا للفئات الأكثر احتياجًا.

وفي مراجعاته لبرنامج الإصلاح في مصر، أكد الصندوق أن أسعار الطاقة التي تعكس تكلفة الإنتاج تساعد على تشجيع الاستثمار في قطاع الطاقة وزيادة المعروض، كما أن الدعم غير الموجه يستهلك موارد عامة كان يمكن استخدامها بصورة أكثر كفاءة.

خبراء: التضخم هو الفاتورة الثانية

بعد قرار زيادة أسعار الكهرباء، اختلفت تقديرات الخبراء حول حجم الأثر التضخمي، لكنهم اتفقوا على وجود تأثير مباشر وغير مباشر.

وتوقع رضا لاشين، الخبير الاقتصادي، أن يؤدي تحريك أسعار الكهرباء إلى ضغوط إضافية على التضخم، مشيرًا إلى أن الطاقة تدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في تكلفة غالبية المنتجات والخدمات.

وأوضح لاشين أن تأثير زيادة الكهرباء على التضخم العام سيكون محدودًا نسبيًا مقارنة بتأثير أسعار الوقود والغذاء، وقد يضيف نحو 0.2 إلى 0.5 نقطة مئوية إلى معدل التضخم، نظرًا إلى أن وزن الكهرباء في سلة الأسعار أقل من بعض المكونات الأخرى، فضلًا عن أن انتقال الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات لا يحدث بالضرورة بصورة فورية.

المشكلة لا تتوقف عند رقم الفاتورة

وحسب تصريحات الخبراء، أنه عندما ترتفع تكلفة الكهرباء على مصنع أو متجر أو شركة، فإن جزءًا من هذه الزيادة قد ينتقل إلى سعر المنتج أو الخدمة.

وهكذا يدفع المواطن الزيادة الأولى عندما تصله فاتورة الكهرباء، ثم قد يدفع جزءًا ثانيًا بصورة غير مباشرة عندما يشتري سلعة أو خدمة ارتفعت تكلفة إنتاجها نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.

ومن هنا تصبح فاتورة الكهرباء جزءًا من فاتورة اقتصادية أكبر، تمتد آثارها من المنزل إلى المصنع والمتجر ووسائل النقل وسلاسل الإنتاج والتوزيع.

تم نسخ الرابط