صدمة هرمز وتطورات أوبك+ ترسم ملامح جديدة لسوق النفط وسط ضعف الطلب
افتتحت أسعار النفط تعاملات الأسبوع تحت ضغوط جديدة مرتبط بمخاطر الإمدادات من منطقة الخليج عقب فشل الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق بشأن مقترح سلام بوساطة باكستانية. ويُبقى الرفض الأمريكي للمقترحات الإيرانية الأخيرة مضيق هرمز شبه مغلق، ما وضع أحد أهم ممرات الطاقة في العالم تحت قيود شديدة ودفع المتداولين مجددًا إلى تسعير علاوة المخاطر الجيوسياسية.
جاءت الموجة الصعودية الأخيرة بعد فترة شديدة التقلب، حيث باتت الأسعار تتحرك بعنف مع كل عنوان يتعلق بالصراع في الخليج. التقارير التي تحدثت في وقت سابق من مايو عن احتمال التوصل إلى اتفاق سلام أميركي إيراني دفعت برنت مؤقتًا إلى ما دون 100 دولار، قبل أن تتقلص الخسائر مع إعادة تقييم المتداولين لاحتمال عودة التدفقات النفطية مقابل استمرار انخفاض المخزونات وغياب أي حل واضح للمخاطر الأمنية. أظهر هذا الارتداد أن السوق لا يزال يفتقر إلى الثقة في أي تقدم دبلوماسي مؤقت طالما بقيت حركة الملاحة مضطربة.
كما يعكس الأداء الحالي تغيرًا حادًا مقارنة بالوضع الذي كان قائمًا قبل أواخر فبراير. ففي بداية 2026، كانت اسعار النفط لا تزال تتعامل من توقعات ضعف الطلب وارتفاع الإمدادات من خارج أوبك وزيادات تدريجية في إنتاج تحالف أوبك+. لكن بحلول مارس، انهار هذا السيناريو الهبوطي بعد التصعيد العسكري في منطقة الخليج والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.
وقالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية إن متوسط سعر خام برنت بلغ 103 دولارات للبرميل في مارس، مع توقعات بارتفاعه إلى ذروة عند 115 دولارًا خلال الربع الثاني قبل أن يتراجع لاحقًا هذا العام مع انخفاض تدريجي لإغلاق المرافق الإنتاجية.
علاوة المخاطر الحالية ليست مجرد حالة نفسية داخل السوق، بل ترتبط مباشرة بالإمدادات الفعلية. حيث ترى إدارة معلومات الطاقة أن اضطرابات مضيق هرمز أثرت على الإمدادات العالمية بشكل كافٍ للإبقاء على أسعار الخام فوق مستويات ما قبل الصراع. كما يفترض السيناريو الأساسي عودة تدريجية لحركة الملاحة، لكن ليس بالسرعة الكافية لإزالة علاوة المخاطر في الأجل القريب.
صدمة هرمز أعادت رسم توازن الإمدادات العالمي
يبقى مضيق هرمز المحرك الأساسي وراء الارتفاع الأخير. فالأمر لا يتعلق بعنوان جيوسياسي عابر، بل بنقطة اختناق حيوية تربط إنتاج الخليج بالمستهلكين حول العالم، خصوصًا في آسيا. وعندما تتعطل هذه القناة، لا يمكن للسوق التعامل مع إنتاج السعودية أو العراق أو الكويت أو الإمارات أو قطر باعتباره متاحًا بالكامل، حتى لو كانت البراميل موجودة فعليًا تحت الأرض.
لهذا السبب طغت صدمة الإمدادات على كل العوامل الهبوطية التقليدية، كما قدمت وكالة الطاقة الدولية صورة أكثر قتامة لحجم الاضطراب. ففي تقرير سوق النفط لشهر أبريل، قالت الوكالة إن الإمدادات العالمية هبطت بمقدار 10.1 مليون برميل يوميًا إلى 97 مليون برميل يوميًا في مارس، بعدما أثرت الهجمات على البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط والقيود المفروضة على الناقلات عبر هرمز على الإنتاج والصادرات.
كما انخفض إنتاج أوبك+ بمقدار 9.4 مليون برميل يوميًا على أساس شهري إلى 42.4 مليون برميل يوميًا، بينما تراجعت إمدادات الدول خارج أوبك+ بمقدار 770 ألف برميل يوميًا إلى 54.7 مليون برميل يوميًا.
يفسر حجم الإمدادات المفقودة لماذا بقي النفط متماسكًا رغم ضعف بيانات الطلب. ففي الظروف الطبيعية، تؤدي زيادة إنتاج أوبك+ إلى الضغط على الأسعار. لكن زيادة الحصص الإنتاجية تصبح أقل تأثيرًا عندما تواجه صادرات الخليج قيودًا مرتبطة بالنقل والتأمين والأمن وعمليات التحميل. فالبراميل لا تستطيع تهدئة السوق ما لم تتمكن من الوصول إلى المشترين.
وهذا ما يفسر أيضًا أهمية تصريحات الرئيس التنفيذي لأرامكو السعودية أمين الناصر، الذي حذر من أن السوق سيحتاج إلى وقت للتعافي بعد خسارة نحو مليار برميل خلال الشهرين الماضيين بسبب اضطرابات الشحن. كما أشار إلى انخفاض المخزونات وسنوات نقص الاستثمار كعوامل قد تبطئ التعافي حتى في حال استئناف الشحنات.
تضرب هذه التصريحات مباشرة فكرة أن وقف إطلاق النار وحده كفيل بإعادة السوق إلى طبيعته. فإذا عادت السفن ببطء، واستمرت تكاليف التأمين مرتفعة، واضطرت المصافي للتنافس على خامات بديلة، واحتاجت المخزونات إلى إعادة بناء، فقد لا تعود الأسعار بسرعة إلى مستويات يناير.
الطلب يضعف… لكن ليس بالقدر الكافي لكسر موجة الصعود
العامل الصعودي الرئيسي في سوق النفط حاليًا هو الإمدادات، وليس الطلب. وهذه نقطة محورية. فالأسعار المرتفعة التي دعمت إيرادات المنتجين بدأت بالفعل تؤثر سلبًا على استهلاك الوقود ونشاط المصافي والطلب من شركات البتروكيماويات.
خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها للطلب بشكل حاد في أبريل، وقالت إن الطلب العالمي على النفط مرشح الآن للتراجع بمقدار 80 ألف برميل يوميًا في المتوسط خلال 2026، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى نمو يبلغ 730 ألف برميل يوميًا.
أما التوقعات قصيرة الأجل فكانت أكثر تشاؤمًا، حيث قدرت الوكالة أن الطلب العالمي انكمش بمقدار 800 ألف برميل يوميًا على أساس سنوي في مارس، وبنحو 2.3 مليون برميل يوميًا في أبريل. وأوضحت أن ارتفاع أسعار الوقود وتدهور التوقعات الاقتصادية وردود الفعل السياسية بدأت تقوض الاستهلاك عبر مختلف المنتجات النفطية، مع اتجاه بعض الدول إلى خفض الطلب بينما حاولت دول أخرى حماية المستهلكين من ضغوط ارتفاع الأسعار. وإذا بقيت الأسعار فوق 100 دولار، فإن المصافي والمستهلكين سيواصلون التكيف عبر تقليص الرحلات الجوية أو خفض التشغيل الصناعي أو السحب من المخزونات الاستراتيجية أو فرض قيود على أسعار الوقود للمستهلكين.
لكن ضعف الطلب لم يصل بعد إلى مستوى قادر على احتواء صدمة الإمدادات. وهذه هي النقطة الأساسية التي تفسر بقاء برنت فوق 100 دولار. ففي الظروف العادية، يعتبر تراجع الطلب بمقدار مليوني برميل يوميًا عاملًا هبوطيًا بالغ القوة، لكنه لا يكفي لتعويض اضطراب إمدادات المعروض النفطي.
في سياق منفصل، عادت الضغوط التضخمية بقوة، وباتت البنوك المركزية تواجه معها معضلة معقدة. فهذه ليست طفرة طلب يمكن تهدئتها عبر تشديد السياسة النقدية، بل صدمة إمدادات ترفع التضخم وتضغط في الوقت نفسه على إنفاق الأسر. يُضيق هذا الخليط خيارات صانعي السياسة، خصوصًا في الاقتصادات التي تعاني أصلًا من تباطؤ النمو وضعف ثقة المستهلكين.
تحركات أوبك+ أصبحت ثانوية مقارنة بالمخاطر الأمنية
لا يزال تحالف أوبك+ يحاول إدارة الموقف، لكن الصراع في الخليج قلص فعليًا تأثير سياسة الحصص الإنتاجية على المدى القريب. ففي 3 مايو، وافقت 7 دول من أوبك+ على رفع أهداف الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميًا لشهر يونيو، في ثالث زيادة شهرية متتالية منذ بدء اضطرابات هرمز.
وقالت أوبك إن الزيادة جاءت ضمن التخفيضات الطوعية المعلنة في أبريل 2023، وإن التحالف يحتفظ بخيار زيادة أو تعليق أو عكس عملية استعادة الإنتاج بحسب ظروف السوق.
لكن المشكلة أن السوق لم يعد يركز على الحصص المعلنة بقدر تركيزه على سلامة خطوط الشحن. فإذا كانت الممرات البحرية مهددة، فإن قيمة الطاقة الإنتاجية الفائضة تصبح مرتبطة بالجغرافيا والأمن ومسارات التصدير أكثر من ارتباطها بالأرقام النظرية للإنتاج. لهذا السبب بات المتداولون ينظرون إلى سياسة أوبك+ باعتبارها عاملًا ثانويًا مقارنة بإمكانية الوصول عبر هرمز.
كما أضاف خروج الإمارات من أوبك وأوبك+ طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد الإمدادات. فقد أفادت رويترز بأن أدنوك تستعد لتوسيع مشاريع النفط والغاز غير التقليدية بعد خروج الإمارات من التحالف، مع استهداف أبوظبي طاقة إنتاجية تبلغ 5 ملايين برميل يوميًا العام المقبل، وإمكانية الوصول إلى 6 ملايين برميل يوميًا إذا تطلبت ظروف السوق ذلك.
في الظروف الطبيعية، كان يُنظر إلى زيادة المرونة الإماراتية كعامل هبوطي للأسعار. أما في السوق الحالية، فالأمر أكثر تعقيدًا. فزيادة الطاقة الإنتاجية لا تساعد فعليًا إلا إذا أمكن نقل البراميل بأمان إلى أسواق الاستهلاك.
تترك هذه المتغيرات المعقدة النفط أمام نطاق واسع من السيناريوهات لبقية 2026. ففي السيناريو الأساسي لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، من المفترض أن يبلغ برنت ذروته في الربع الثاني ثم يهبط إلى ما دون 90 دولارًا في الربع الرابع، ويبلغ متوسط 76 دولارًا في 2027 مع تراجع تدريجي للإغلاقات وتحسن تدفقات التجارة.
لكن هذا السيناريو يفترض عودة تدريجية إلى الوضع الطبيعي، وليس استمرار إغلاق هرمز أو توسع الحرب إقليميًا.
السيناريو الصعودي واضح هو الآخر. فإذا استمر تعثر المحادثات وبقي مرور ناقلات النفط مقيدًا، فقد يظل برنت فوق 100 دولار لفترة أطول من المتوقع. ستواصل المخزونات الانخفاض، وستستمر المصافي في التنافس على البراميل البديلة، وستبقى أسعار الوقود مرتفعة خلال موسم ذروة الطلب في الصيف.
وفي المقابل، قد يسحب أي اتفاق موثوق يُعيد فتح مضيق هرمز ويتيح عودة الإنتاج المعطل جزءًا كبيرًا من علاوة المخاطر بسرعة. ومع خفض وكالة الطاقة الدولية بالفعل لتوقعات الطلب، فإن أي تعافٍ في الإمدادات سيكشف ضعف الاستهلاك الأساسي داخل السوق. وفي هذا السيناريو، قد تتراجع الأسعار، حتى لو بقيت السوق أكثر تشددًا مقارنة بفترة ما قبل الصراع.
برنت قرب 100 دولار لم يعد مجرد مستوى سعري. بل أصبح تكلفة جيوسياسية كاملة تعكس اضطراب اللوجستيات العالمية وهشاشة نظام الإمدادات وقلة هامش الخطأ داخل سوق الطاقة العالمية.