بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

هاجر محمد موسى تكتب: أضحية العيد لمن استطاع إليها سبيلا

هاجر محمد موسى
هاجر محمد موسى

يقترب عيد الأضحى المبارك الذي لا تفصلنا عنه إلا أيام قليلة، ومع اقتراب بزوغ أول أيام شهر ذي الحجة، سيبدأ معظم المصريين المنتمين إلى الطبقة المتوسطة رحلة شاقة للبحث عن أسعار مناسبة لأضحية العيد، تلك الشعيرة التي كانت في الماضي متاحة للجميع تقريبًا، لكنها أصبحت اليوم مثل فريضة الحج تمامًا حكرًا على من استطاع إليها سبيلًا.

 

ففي الوقت الذي تتوازن فيه الطبقة المتوسطة المصرية على حافة خط الفقر، تبدو أسعار اللحوم هذا العام بمثابة قاتل للعزائم ومانع لبهجة العيد، إذ لم يعد العبء الثقيل مقتصرًا على الفقراء وحدهم بل امتد ليكسر ظهور الأسر المتوسطة وأصحاب المعاشات قبل غيرهم، وتشير المؤشرات الاقتصادية الأولية إلى أن أسعار المواشي واللحوم وخصوصًا الضأن تشهد ارتفاعًا تاريخيًا غير مسبوق، فقد بلغت نسبة الزيادة هذا العام أكثر من 80% مقارنة بالأعوام السابقة، وتعود هذه القفزة الجنونية إلى ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه المصري بنسبة تجاوزت 60% خلال العام الماضي مما رفع تكلفة استيراد الأعلاف إلى مستويات خرافية؛

 

 بالإضافة إلى انخفاض أعداد المواشي التي يتم تربيتها محليًا بسبب ارتفاع أسعار العلف والضرائب وتكاليف النقل، وأيضًا جشع بعض التجار الذين يحققون أرباحًا موسمية خيالية خلال أيام العيد مستغلين حاجة الناس وارتفاع الطلب، والنتيجة المؤلمة أن سعر كيلو اللحم الضأن البلدي قد تجاوز حاجز 500 جنيه في معظم محلات الجزارة، بينما تراوحت أسعار اللحوم المستوردة أو السودانية بين 400 و450 جنيهًا للكيلو، وهو كيلو يفيض بالعظام ويخلو تقريبًا من اللحم الذي يسمن أو يغني من جوع.

 

لقد تناسى الجميع أن هذا الارتفاع غير المسبوق لا يؤثر في جيوب الأغنياء بل يحرق أحلام الطبقة المتوسطة ويسحق كرامة أصحاب المعاشات ويدمر فرحة العمالة غير الرسمية، فأصحاب المعاشات لا يتقاضى معظمهم أكثر من 3500 جنيه شهريًا، والموظف الحكومي يتراوح راتبه بعد الخصومات بين 5000 و7000 جنيه، بينما تمثل العمالة غير الرسمية أكثر من 60% من قوة العمل في مصر ودخولهم غير ثابتة ولا تخضع لأي ضمانات، فكيف لرب أسرة متوسطة أن يشتري كيلو لحم واحد لا يكفي أسرة من 5 أفراد بأكثر من 500 جنيه أو أن يشتري كيلوين بتكلفة 1000 جنيه بينما راتبه بالكامل لا يتجاوز 5000 جنيه بعد خصم الإيجار والفواتير والطعام اليومي؟

 

 سيُرغم هذا الأب الكادح الذي لا تسمح له كرامته بالوقوف في طوابير الصدقات أو التبرعات أمام أبواب المساجد على شراء لحوم مجمدة مجهولة المصدر من السوق السوداء أو من الجمعيات الاستهلاكية، وسيقف لساعات طويلة في طوابير الذل ليحصل على هذا الفتات، وحتى لو نجح في رحلته الشاقة فإن الثمن سيكون صحيًا أيضًا، لأن تلك اللحوم الهندية أو السودانية أو البرازيلية مجهولة المصدر والمخزنة بطرق غير صحية تكون غالبًا ملوثة أو مفرطة في التجميد مما يعرض الأسر لأمراض كالنقرس والتسمم الغذائي، والمأساة الأكبر أن الأطفال يُحرمون من أبهى طقوس العيد من رؤية الخروف واللعب معه وانتظار لحوم العيد.

 

أما إذا فشل رب الأسرة في الحصول على تلك اللحوم المجمدة متعددة الجنسيات ومجهولة المصدر فإن أسرته ستقضي عيدها بلا لحم تمامًا وستقايضه بوجبة دجاج أخرى مع مبررات لا تخدع أحدًا، وسيكتفون بمتابعة خطوات الذبح والأكل من شرفة منزلهم أو على شاشات التلفاز أو عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي حيث يتباهى الجميع بصورهم السيلفي مع الخروف الصغير أو العجل الكبير، صور يعاد فيها إنتاج إذلال الفقراء والمتوسطين تحت غطاء الفرحة بالعيد، في ظل معدلات فقر رسمية تشير إلى أن أكثر من 30% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر بينما يعاني أكثر من 60% من الهشاشة الاقتصادية أي على بعد خطوة واحدة من الفقر.

 

يصبح السؤال مشروعًا وملحًا: أليس من الأجدى تحويل الأضحية من مظهر استهلاكي تباهي إلى صكوك أضاحي توزع اللحوم كاملة على الفقراء والمحتاجين والطبقة المتوسطة الكادحة؟ لقد أصبحت الأضحية في أغلب بيوت المصريين للأسف الشديد من سنة إسلامية إلى سنة للقادرين فقط مثل الحج تمامًا لمن استطاع إليه سبيلًا !

تم نسخ الرابط