في ذكرى ميلاده.. حكاية محمود مرسي من استوديوهات BBC إلى أسطورة عتريس وفؤاده
يمتلك حضور طاغي وموهبة لا تعرف حدود وصوت رخيم تعرفه قبل أن تلتفت إليه، واحد من أبرز الفنانين الذين مروا على الشاشة، ينسج شخصياته ببراعة ويؤديها بكل ما أوتي من موهبة، متلون ومتعدد الشخصيات، هو الشرير "عتريس" الذي يهابه أهل "الدهاشنة" في "شئ من الخوف" والطيب "كمال سويلم" الذي يحاول جمع شتات "العائلة"، هو الفنان محمود مرسي.

بداية الرحلة.. الإسكندرية _ لندن
ولد محمود مرسي بالإسكندرية في 7 يونيو 1923، لأسرة تهتم بالعلم والثقافة، وعمل والده نقيباً للمحامين، اهتم منذ نعومة أظافره بالقراءة واللغات وأتقن الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، قبل أن يلتحق بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية لدراسة الفلسفة.
بعد تخرجه سافر إلى فرنسا لدراسة الإخراج السينمائي، وهناك بدأت ملامح شخصيته الثقافية والفنية تتشكل بصورة أكبر، وبفضل صوته المميز وثقافته الواسعة عمل في إحدى الإذاعات الفرنسية قبل أن ينتقل إلى لندن حيث التحق بهيئة الإذاعة البريطانية وعمل بها مذيع ومخرج.
استقال من BBC بسبب العدوان الثلاثي
عاصر" مرسي" خلال عمله في لندن واحدة من أهم المحطات في التاريخ المصري الحديث وهي تأميم قناة السويس 1956، ومع اندلاع العدوان الثلاثي على مصر اتخذ موقفاً يعكس قناعته الوطنية فقدم استقالته من هيئة الإذاعة البريطانية BBC احتجاجاً على مشاركة بريطانيا في العدوان وقرر العودة إلى بلاده.
بعد عودته إلي مصر عمل مخرجاً بالإذاعة المصرية، وشارك في تقديم وإخراج العديد من الأعمال الإذاعية والمسرحية، كما تولى تدريس الإخراج المسرحي في معهد الفنون المسرحية.
إمسك ممثل
رغم ارتباطه بالفن منذ سنوات شبابه لكن التمثيل لم يكن ضمن طموحات محمود مرسي في البداية، إذ كان يميل أكثر إلى الإخراج والعمل الثقافي حتى إنه رفض المشاركة في فيلم "باب الحديد" للمخرج يوسف شاهين.
طارده مخرجي السينما وكانوا يرون فيه مشروع ممثل مختلف يمتلك حضور وشخصية قوية يصعب تجاهله، وهو ما دفعهم إلى تكرار المحاولات لإقناعه بالوقوف أمام الكاميرا.
البداية من "أنا الهارب"
جاءت الانطلاقة السينمائية الحقيقية لـ محمود مرسي في1962 من خلال فيلم "أنا الهارب"، الذي قدم فيه شخصية المجرم الهارب "عرفان"، وحقق الفيلم نجاح لافت ليبدأ بعدها مشوار طويل من الأعمال المهمة التي رسخت مكانته بين كبار نجوم السينما المصرية.
وخلال سنوات قليلة شارك في مجموعة من أبرز أفلام من بينها "الليلة الأخيرة" و"الباب المفتوح" و"الخائنة"، قبل أن يصل إلى مرحلة أكثر نضج وتألق في فيلم "السمان والخريف" المأخوذ عن رواية الأديب نجيب محفوظ.

"عتريس".. الذي صنع أسطورته
قدم محمود مرسي عشرات الأدوار المهمة لكن تبقى شخصية "عتريس" في فيلم "شيء من الخوف" الأبرز في مسيرته الفنية، حيث لم يقدم "الشرير التقليدي" كما اعتادته السينما في ذلك الوقت ولكنه منح الشخصية أبعاد إنسانية ونفسية معقدة، إذ ظهر "عتريس" قاسي ومخيف وفي نفس الوقت عاشق لـ"فؤادة" وكان أداءه أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الفيلم يحتفظ بمكانته كواحد من أهم أفلام السينما المصرية.

6 أفلام في قائمة أفضل 100 فيلم
تميز محمود مرسي بقدرته على اختيار أدواره بعناية شديدة ولا يهمه كثرة الأعمال بقدر اهتمامه بالشخصية التي سيؤديها ومن بين رصيده الفني 6 أفلام من أعماله دخلت قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية وهي "السمان والخريف" و"شيء من الخوف" و"زوجتي والكلب"،و"أغنية على الممر"، و"ليل وقضبان" و"أبناء الصمت".

من السينما للتليفزيون.. جمهوره في كل مكان
في أواخر السبعينيات والثمانينيات خطف التليفزيون محمود مرسي وقدم للدراما التلفزيونية عدة مسلسلات نال رضاء واستحسان جمهور الشاشة الصغيرة كان أبرزها مسلسل "رحلة السيد أبو العلا البشري"، الذي يعد واحد من أهم المسلسلات في تاريخ التلفزيون المصري.

كما تألق في"زينب والعرش"و"عصفور النار"و"بين القصرين"، قبل أن يعود في التسعينيات ليحقق نجاحًا جديدًا من خلال مسلسل "العائلة"، الذي حظي بمتابعة جماهيرية واسعة.

النهاية
تزوج محمود مرسي من الفنانة سميحة أيوب بعد قصة حب جمعتهما خلال عمل إذاعي، وأنجبا ابنهما الوحيد" علاء" الذي اتجه إلى العمل في مجال العلاج النفسي وبعد انفصالهما لم يتزوج مرة أخرى.
وفي سنواته الأخيرة فضل الابتعاد عن الأضواء والجلوس في مقعد المتفرج وقبل رحيله كتب نص نعيه بنفسه وأوصى بعدم إقامة جنازة رسمية له، وفي 24 أبريل 2004 رحل محمود مرسي إثر أزمة قلبية مفاجئة أثناء تصوير مسلسل "وهج الصيف"، لتنتهي رحلة أحد أهم الفنانين الذين أنجبتهم الساحة الفنية المصرية.