من الكاش إلى إنستاباي.. كيف غيرت التكنولوجيا علاقة المصريين بالبنوك؟
في إطار التحول الرقمي الذي يشهده العالم، ومع التغير الجذري الذي شهده القطاع المصرفي خلال السنوات الأخيرة، وما صاحبه من تطوير للخدمات المالية المقدمة للمواطنين، مدفوعًا بالتوسع في تطبيقات الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية ومختلف منصات التحويل اللحظي، ومن بينها "إنستاباي"، الذي أصبح جزءًا من الحياة اليومية لملايين المصريين.
نجاح البنوك في تغيير ثقافة المعاملات
ومع ذلك، تثار العديد من التساؤلات حول مدى نجاح البنوك في تغيير ثقافة الاعتماد على "الكاش"، وما إذا كانت التكنولوجيا المالية أصبحت منافسًا حقيقيًا للبنوك التقليدية أم أنها تمثل امتدادًا طبيعيًا لدورها.
وضع البنك المركزي المصري استراتيجية واسعة للشمول المالي، استهدفت دمج شرائح جديدة من المواطنين داخل النظام المصرفي الرسمي، من خلال التوسع في الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع الرقمي، الأمر الذي انعكس على المعاملات اليومية وزاد من استخدام الخدمات المالية بصورة ملحوظة.
نجاح الشمول المالي في الخدمات المالية
وفي هذا السياق، أكد محمد الإتربي، رئيس اتحاد بنوك مصر، في تصريحات سابقة، أن جهود الشمول المالي حققت نتائج مهمة، حيث ارتفعت نسبة الشمول المالي إلى نحو 76.6% من المواطنين المؤهلين للتعامل المالي، كما تجاوز عدد المحافظ الإلكترونية عشرات الملايين، ما يعكس نجاح السياسات الرامية إلى إدماج شرائح واسعة من المجتمع داخل المنظومة المالية الرسمية.
التوسع في الخدمات البنكية
وأضاف الإتربي أن هذا التطور لم يكن مجرد توسع في الخدمات البنكية، بل مثل تحولًا في السلوك المالي للمواطنين، خاصة مع انتشار الهواتف الذكية وتزايد الاعتماد على التطبيقات الرقمية في تنفيذ المعاملات اليومية.
وفي هذا السياق، أكد هشام عز العرب، الخبير المصرفي ورئيس مجلس إدارة البنك التجاري الدولي، أن المحافظ الإلكترونية ومنصة "إنستاباي" لا تمثلان منافسًا للبنوك، بل تعدان أدوات جديدة تدعم الخدمات المصرفية وتسهم في تسهيل وصولها إلى العملاء.
وأوضح أن التحدي الحقيقي أمام القطاع المصرفي يتمثل في تقليل الاعتماد على التعاملات النقدية وزيادة استخدام الوسائل الرقمية في مختلف الأنشطة الاقتصادية.
مرونة التحويلات اللحظية عبر "إنستاباي"
وأشار إلى أن التحويلات اللحظية عبر تطبيق "إنستاباي" شهدت نموًا متسارعًا منذ إطلاق الخدمة، حيث بات التطبيق وسيلة أساسية لتحويل الأموال بين الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية على مدار الساعة، ما أسهم في تقليل الحاجة إلى زيارة فروع البنوك أو استخدام النقد في العديد من المعاملات.
من جانبه، أوضح شريف لقمان، وكيل محافظ البنك المركزي للشمول المالي، أن الاستراتيجية الجديدة للشمول المالي خلال الفترة من 2026 إلى 2030 تستهدف تعزيز استخدام التكنولوجيا المالية وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات الرقمية، بما يسهم في زيادة معدلات الدمج المالي وتقليل الاعتماد على النقد.
وأشار إلى أن التطور التكنولوجي لم يعد خيارًا أمام المؤسسات المالية، بل أصبح ضرورة تفرضها المتغيرات العالمية وتوقعات العملاء الذين يبحثون عن خدمات أسرع وأكثر مرونة وأقل تكلفة.
منافسة قوية بين المحافظ الإلكترونية والخدمات التقليدية
ورغم المكاسب الكبيرة التي حققتها البنوك في ملف التحول الرقمي، فإن البعض يرى أن المحافظ الإلكترونية بدأت بالفعل في منافسة بعض الخدمات التقليدية التي كانت تقدمها البنوك.
وأكد الخبير المصرفي أحمد شوقي أن شركات الاتصالات استطاعت خلال السنوات الأخيرة جذب شرائح واسعة من المستخدمين عبر خدمات المحافظ الإلكترونية، مستفيدة من الانتشار الكبير للهواتف المحمولة وسهولة استخدام التطبيقات الرقمية.
الاحتفاظ بالأموال ومنح القروض
وأضاف شوقي، في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن المنافسة الحالية لا تدور حول الاحتفاظ بالأموال أو منح القروض، وهي الوظائف الأساسية للبنوك، وإنما تتركز في خدمات المدفوعات والتحويلات اليومية، وهي خدمات أصبحت تشهد تطورًا متسارعًا بفضل التكنولوجيا المالية.
وأوضح أن البنوك نجحت في استيعاب هذه التغيرات من خلال الدخول بقوة إلى عالم التكنولوجيا المالية بدلًا من مقاومتها، حيث أطلقت معظم البنوك تطبيقات رقمية متطورة، ووسعت نطاق الخدمات الإلكترونية المقدمة للعملاء، كما دخلت في شراكات مع شركات التكنولوجيا المالية لتطوير حلول مبتكرة تلبي احتياجات السوق.
نجاح تجربة الشمول المالي
وفي السياق ذاته، أكد محمد عزام، خبير التحول الرقمي، أن نجاح تجربة الشمول المالي في مصر يرتبط بشكل مباشر بالتوسع في الخدمات الرقمية، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا أصبحت المحرك الرئيسي لتغيير سلوك المواطنين تجاه الخدمات المالية.
وأوضح عزام أن الأجيال الجديدة باتت أكثر اعتمادًا على التطبيقات الرقمية في إدارة أموالها، سواء في التحويلات أو المدفوعات أو سداد الفواتير، وهو ما يعزز فرص التحول إلى مجتمع أقل اعتمادًا على النقد خلال السنوات المقبلة.
وأشار إلى أن ذلك انعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني، حيث يسهم تراجع الاعتماد على الكاش في دمج الاقتصاد غير الرسمي داخل المنظومة الرسمية، ويزيد من كفاءة المعاملات المالية، كما يساعد الدولة على تحسين عمليات الرقابة ومكافحة التهرب الضريبي وتعزيز الشفافية.