بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

باع الأكياس وعمل نجاراً.. كيف قهر حارس غانا ظروفه القاسية ليتوهج في مونديال 2026؟

بنجامين أساري
بنجامين أساري

في كل بطولة كبرى تظهر قصة تلهم الملايين، لكن ما يقدمه الحارس الغاني بنجامين أساري في كأس العالم 2026 يجعله واحدًا من أبرز الوجوه التي خطفت الأنظار بالمونديال. 

 فالرجل الذي يقف اليوم بثقة أمام أفضل مهاجمي العالم ويحافظ على شباكه في أصعب المباريات، لم تكن حياته دائمًا مرتبطة بالأضواء والملاعب الممتلئة بالجماهير، بل كانت رحلة طويلة من الكفاح والعمل الشاق بدأت من الشوارع ومواقع البناء قبل أن تنتهي به إلى تمثيل منتخب غانا في أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفرض منتخب غانا التعادل السلبي (0-0) على نظيره منتخب إنجلترا، في المباراة التي جمعت بينهما مساء الثلاثاء، على ملعب بوسطن بمدينة سينسيناتي الأمريكية، ضمن منافسات الجولة الثانية من دور المجموعات ببطولة كأس العالم 2026، المقامة حاليًا في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك.

قدرات خاصة

لم يبدأ أساري مسيرته وهو يحلم بأن يصبح حارس مرمى، ففي سنواته الأولى لعب في مراكز مختلفة داخل الملعب، لكن المدربين والأشخاص المحيطين به لاحظوا امتلاكه صفات استثنائية تؤهله لحراسة المرمى. 

كانت لديه سرعة رد فعل مميزة وشجاعة كبيرة في التعامل مع الكرات الصعبة، ومع مرور الوقت أصبح مقتنعًا بأن مستقبله الحقيقي سيكون بين الخشبات الثلاث، إلا أن امتلاك الموهبة لم يكن كافيًا لتغيير حياته، لأن الظروف الاقتصادية الصعبة فرضت عليه خوض معركة أخرى خارج المستطيل الأخضر.

وعاش أساري سنوات طويلة وهو يحاول التوفيق بين العمل ومطاردة حلمه الكروي، عمل نجارًا لفترات مختلفة، وباع الأكياس في الشوارع من أجل توفير دخل يساعده على الاستمرار، كما عمل سائقًا لعربة أجرة، وقضى وقتًا في مزارع الكاكاو.

 ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل عمل أيضًا في مواقع البناء التي كانت تستنزف طاقته البدنية بشكل كبير. 

 وعمل ثلاثة أيام أسبوعيًا في البناء، وهي مهمة شاقة ومتعبة للغاية، لكنه لم يفكر يومًا في التخلي عن حلمه أو الاستسلام للواقع الذي كان يفرض عليه حياة مختلفة تمامًا عن تلك التي كان يتخيلها لنفسه داخل ملاعب كرة القدم.

التمسك بالحلم

بدأت رحلته الاحترافية مع نادي سبورتنج ميراكليز، وهناك حصل على فرصة حقيقية لإثبات نفسه، ولم يكن الراتب الذي يتقاضاه كبيرًا، بل كان بسيطًا للغاية مقارنة بما يحصل عليه اللاعبون في المستويات الأعلى، لكنه كان ينظر إليه باعتباره خطوة مهمة تساعده على الاستمرار في كرة القدم. 

كان ذلك الدخل المحدود يمنحه القدرة على مواصلة اللعب وعدم البحث عن وظيفة دائمة تبعده عن كرة القدم، لذلك تمسك بالفرصة بكل ما يملك من قوة، واستمر في العمل والتدريب في الوقت نفسه.

وقضى أساري ما يقارب ثماني سنوات كاملة في الدرجات الأدنى داخل غانا، وهي فترة طويلة للغاية بالنسبة لأي لاعب يحلم بالوصول إلى القمة. 

وخلال تلك السنوات شاهد العديد من اللاعبين يعتزلون أو يفقدون الأمل، لكنه ظل متمسكًا بحلمه. 

فشل الاحتراف إلى صربيا

وفي عام 2017 انتقل إلى نادي أولمبيكس، وهي خطوة اعتبرها مهمة لأن النادي كان يمتلك مشروعًا تنافسيًا ويسعى للعودة إلى مكانته الطبيعية. وبعد ذلك حصل على فرصة للاحتراف في صربيا، إلا أن التجربة لم تكتمل بالشكل الذي كان يتمناه، فعاد إلى غانا وواصل رحلته دون أن يسمح للإحباط بالتسلل إليه.

وواصل الحارس الغاني التقدم تدريجيًا حتى انتقل إلى نادي ليبرتي بروفيشنالز، قبل أن تأتي المحطة الأهم في مسيرته عندما انضم إلى نادي هارتس أوف أوك، أحد أكبر الأندية وأكثرها شعبية في غانا. 

وهناك بدأ اسمه يفرض نفسه بقوة، وأصبح واحدًا من أبرز الحراس في الدوري المحلي، وهو ما فتح أمامه الباب لتحقيق الحلم الأكبر الذي انتظره لسنوات طويلة، وهو ارتداء قميص منتخب غانا.

مكالمة غيرت كل شيء

وعندما تلقى استدعاء المنتخب الوطني لم يفكر في الشهرة أو المكانة التي سيحصل عليها، بل استعاد كل المراحل الصعبة التي مر بها. 

وقال أساري في تصريحات إعلامية عن استدعائه للمنتخب “عندما تلقيت استدعاء منتخب غانا، كان أول ما خطر ببالي هو الرحلة بأكملها. تذكرت أيام العمل في مواقع البناء، وتذكرت الشوارع التي كنت أبيع فيها الأكياس، والمزارع التي عملت بها، والليالي التي كنت أعود فيها مرهقًا من العمل ثم أذهب مباشرة إلى التدريب”.

وأضاف “كل تلك اللحظات مرت أمام عيني في ثوانٍ قليلة. لذلك كان مجرد الانضمام إلى المنتخب بالنسبة لي حلمًا كبيرًا تحقق بعد سنوات طويلة من التعب والصبر”.

وتابع “لكن المفاجأة الأكبر كانت أنني لم أُستدعَ إلى المنتخب فقط، بل حصلت أيضًا على فرصة المشاركة أساسيًا، أتذكر مباراة تشاد جيدًا، فزنا بنتيجة 5-0 ونجحت في الحفاظ على شباكي نظيفة، وكان ذلك يومًا استثنائيًا بالنسبة لي”.

وواصل “شاركت أمام مدغشقر وخرجت بشباك نظيفة مرة أخرى، وعندها شعرت أن كل ما مررت به من معاناة وتضحيات لم يذهب سدى”.

وأكمل “بعد المباراتين تغيرت الأمور بسرعة كبيرة، أصبح الناس يتحدثون عني في كل مكان، وبدأت وسائل الإعلام تهتم بقصتي، وأصبحت الجماهير تعرف من هو بنجامين أساري”.

 وأتم "عندها فقط شعرت بأن الرحلة الطويلة التي بدأت من مواقع البناء والأعمال الشاقة أوصلتني أخيرًا إلى المكان الذي كنت أحلم بالوصول إليه طوال حياتي".

ومع وصول كأس العالم، وجد أساري نفسه أمام الاختبار الأكبر في مسيرته. فالحارس الذي كان يعمل قبل سنوات في البناء والنجارة أصبح مطالبًا بالتصدي لأفضل المهاجمين في العالم، ورغم ضخامة التحدي، ظهر بثبات كبير وقدم مستويات لافتة جعلته أحد أبرز مفاجآت البطولة.

 وفي المواجهات الكبرى، خاصة أمام منتخب إنجلترا، نجح في لفت الأنظار بتصدياته الحاسمة وحضوره القوي داخل منطقة الجزاء، ليؤكد أن وصوله إلى هذا المستوى لم يكن ضربة حظ، بل نتيجة سنوات طويلة من العمل والصبر والإصرار.

أرقام بنجامين أساري مع منتخب غانا

في تصفيات كأس العالم أفريقيا، لعب 6 مباريات، استقبل خلالها هدفًا واحدًا، وحافظ على نظافة شباكه في 5 مباريات.

وفي المباريات الودية الدولية: لعب 5 مباريات، واستقبل خلالها 8 أهداف، وفي كأس العالم 2026)، لعب مباراتين، ولم يستقبل أي هدف.

وإجمالا، خاض 13 مباراة دولية، استقبل خلالها 9 أهداف، وخرج بشباك نظيفة في 7 مباريات.

وتحولت قصة بنجامين أساري من مجرد حكاية لاعب كافح للوصول إلى المنتخب الوطني، إلى نموذج ملهم للشباب في غانا وأفريقيا عمومًا. 

May be an image of soccer, football, crowd and text

فالرجل الذي عمل نجارًا وبائع أكياس وسائق أجرة وعامل بناء، أصبح اليوم أحد أبرز حراس المرمى في البطولة الأكبر عالميًا، وأثبت أن الطريق إلى النجاح قد يكون طويلًا وشاقًا، لكنه يظل ممكنًا لمن يملك الإيمان الكافي بحلمه. 

وبينما تحتفل الجماهير الغانية بتألقه في كأس العالم، يبقى الإنجاز الأكبر في قصته أنه لم يسمح يومًا للظروف الصعبة بأن تحدد مستقبله، بل اختار أن يصنع هذا المستقبل بنفسه حتى أصبح بالفعل جدار غانا العازل وأحد أكثر لاعبي البطولة إلهامًا.

 

تم نسخ الرابط