بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

«مرصد الذهب»: الألماس المعملي يفتح لمصر بابًا صناعيًا جديدًا

بلدنا اليوم

كشف «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» عن فرصة جديدة أمام مصر لدراسة الدخول إلى صناعة الألماس المعملي، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع عالميًا، وانتقال المنافسة من امتلاك المناجم والموارد الطبيعية إلى التكنولوجيا والطاقة والبحث العلمي والقدرة على التصنيع.
وأوضح المرصد أن الألماس المعملي لم يعد يقتصر على منافسة الألماس الطبيعي في سوق المجوهرات، وإنما يتوسع في تطبيقات صناعية وتكنولوجية، ما يفتح المجال أمام الدول التي لا تمتلك موارد كبيرة من الألماس الطبيعي لبناء صناعة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا.


لكن هذه الفرصة تواجه تحديًا رئيسيًا، يتمثل في الانخفاض الحاد الذي شهدته أسعار الألماس المعملي خلال السنوات الماضية، بالتزامن مع زيادة الإنتاج العالمي.


صناعة تنمو.. وأسعار الألماس المعملي تحت الضغط


وبحسب البيانات التي استند إليها مرصد الذهب، تتوقع تقديرات سوقية استمرار نمو سوق الألماس المعملي عالميًا خلال السنوات المقبلة، إلا أن نمو حجم السوق لا يعني بالضرورة ارتفاع قيمة الحجر.


وتظهر بيانات مجلس ترويج صادرات الأحجار الكريمة والمجوهرات الهندي أن صادرات الهند من الألماس المعملي المصقول تراجعت 10.55% على أساس سنوي خلال السنة المالية 2025-2026 إلى نحو 1.13 مليار دولار، رغم ارتفاع الكميات المصدرة، في إشارة واضحة إلى استمرار تصحيح الأسعار.


وفي المقابل، ارتفعت قيمة المجوهرات الذهبية المرصعة بـالألماس المعملي بنسبة 31.3% إلى نحو 1.43 مليار دولار، بما يكشف أهمية الانتقال من بيع الحجر وحده إلى المنتجات الأعلى قيمة.


وهنا يضع مرصد الذهب النقطة الأهم أمام المستثمرين وصناع القرار في مصر:

 المنافسة في صناعة الألماس المعملي لا ينبغي أن تقوم على إنتاج كميات أكبر فقط، وإنما على إنتاج بتكلفة أقل وتحويل الألماس إلى منتجات تحقق قيمة مضافة أعلى.
الصين.. التكنولوجيا تحسم المنافسة
وتقدم الصين النموذج الأوضح في صناعة الألماس المعملي؛ إذ تشير بيانات تقرير تطوير صناعة المجوهرات الصينية لعام 2024 إلى إنتاج نحو 22 مليون قيراط من الألماس المعملي خلال العام، بزيادة 144.44% على أساس سنوي، وبما يعادل نحو 63% من الإنتاج العالمي.


وتعتمد الصناعة الصينية على تقنيات من بينها HPHT وCVD، إلى جانب قاعدة صناعية متكاملة للمعدات والمواد والخدمات المرتبطة بالإنتاج.


ويرى مرصد الذهب أن التجربة الصينية تقدم درسًا مهمًا لمصر: الدولة الأكثر قدرة على المنافسة في صناعة الألماس المعملي ليست بالضرورة صاحبة الموارد الطبيعية الأكبر، وإنما الدولة التي تمتلك التكنولوجيا وسلسلة الإمداد الأكثر كفاءة.


لكن النموذج الصيني يكشف في الوقت نفسه مخاطر زيادة المعروض، إذ يمكن للتوسع السريع في الإنتاج أن يضغط على أسعار الألماس المعملي إذا لم ينمُ الطلب بالسرعة نفسها.


الهند.. الكميات ترتفع والقيمة تتراجع


وتقدم الهند درسًا آخر في صناعة الألماس المعملي؛ فارتفاع الكميات المصدرة لم يمنع تراجع القيمة الدولارية للصادرات.
وتشير أحدث بيانات GJEPC إلى أن صادرات الألماس المعملي المصقول انخفضت 10.55% إلى 1.13 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، رغم زيادة الكميات، بينما ارتفعت قيمة المجوهرات الذهبية المرصعة بالألماس المعملي 31.3%.
وبحسب قراءة مرصد الذهب، تكشف هذه الأرقام أن القيمة الاقتصادية لا توجد في حجر الألماس المعملي وحده، وإنما في القطع والصقل والتصميم والتصنيع وتحويله إلى منتج نهائي أعلى قيمة.


كما استثمرت الهند في البحث والتطوير المرتبط بهذه الصناعة، وهو ما يؤكد أن بناء صناعة الألماس المعملي يحتاج إلى التكنولوجيا والكوادر والمعدات، وليس إلى خطوط إنتاج فقط.


دبي.. نموذج مختلف قائم على التجارة


أما دبي، فاختارت مسارًا مختلفًا يعتمد بصورة أكبر على التجارة واللوجستيات والخدمات المرتبطة بصناعة الألماس.
وسجلت تجارة الألماس عبر الإمارة 41.7 مليار دولار خلال 2025، وفق مركز دبي للسلع المتعددة، لكن هذا الرقم يمثل تجارة الألماس بمختلف أنواعه وليس الألماس المعملي وحده.


ويرى مرصد الذهب أن التجربة الإماراتية تقدم نموذجًا يمكن لمصر دراسته أيضًا، إذ لا يشترط أن تكون الدولة أكبر منتج عالمي حتى تصبح مركزًا مهمًا في سلسلة القيمة؛ فالتجارة وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية يمكن أن تمثل جزءًا من الصناعة.


ماذا تستطيع مصر أن تفعل؟


يرى مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية أن مصر تمتلك قاعدة يمكن البناء عليها، في ظل وجود صناعة الذهب والمجوهرات، إلى جانب البنية الصناعية وموقع مصر الجغرافي واتفاقيات التجارة التي يمكن أن تساعد على الوصول إلى الأسواق الخارجية.


لكن دخول مصر إلى صناعة الألماس المعملي لا ينبغي أن يبدأ من سباق إنتاجي مع الصين.


فالفرصة الأكثر واقعية تتمثل في دراسة سلسلة القيمة بالكامل، بدءًا من إنتاج الألماس المعملي والقطع والصقل، وصولًا إلى تصنيع بعض مستلزمات الإنتاج، وتطوير التطبيقات الصناعية، والبحث والتطوير، والتجارة وإعادة التصدير.


وتأتي تكلفة الطاقة في مقدمة العناصر التي يجب حسابها قبل اتخاذ أي قرار استثماري، إلى جانب تكلفة المعدات والبذور والصيانة والتمويل والعمالة والنقل.


وبالتالي، فإن السؤال الأساسي أمام أي مشروع مصري في صناعة الألماس المعملي يجب ألا يكون: «كم قيراطًا نستطيع إنتاجه؟»، وإنما: «كم تبلغ تكلفة القيراط، وما القيمة التي نستطيع تحقيقها بعد إنتاجه؟»


من الحجر إلى التكنولوجيا


ويمنح توسع استخدامات الألماس المعملي فرصة للخروج من دائرة المنافسة السعرية في المجوهرات إلى مجالات ذات قيمة مضافة أعلى.


فالخصائص الفيزيائية للألماس، ومنها الصلابة والتوصيل الحراري والخصائص البصرية والإلكترونية، تجعله مادة مهمة في تطبيقات صناعية وتقنية متخصصة، من إدارة الحرارة وبعض تطبيقات الإلكترونيات إلى أدوات القطع والاستشعار والفوتونيات والأبحاث المرتبطة بالتقنيات الكمية. وتشير أبحاث حديثة إلى استمرار تطوير هياكل وأغشية من الألماس لتطبيقات في الإلكترونيات عالية القدرة والاستشعار الكمي والفوتونيات.


وهنا يرى مرصد الذهب أن الفرصة المصرية قد تكون أكبر إذا اتجهت إلى الاستخدامات التي تحقق قيمة مضافة أعلى، بدلًا من الدخول فقط في سوق أحجار المجوهرات التي تواجه ضغوطًا قوية في أسعار الألماس المعملي.


«مرصد الذهب»: الفرصة في القيمة المضافة


وتخلص دراسة مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية إلى أن صناعة الألماس المعملي تمثل فرصة تستحق الدراسة في مصر، لكن نجاحها لن يعتمد على إنشاء مصانع لإنتاج أكبر كمية ممكنة.


فالتجارب الدولية تؤكد أن زيادة الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة العائد؛ إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع المعروض إلى مزيد من الضغط على الأسعار.


وتتمثل الميزة الحقيقية في قدرة مصر على الجمع بين التكنولوجيا والطاقة التنافسية والبحث العلمي والمهارات البشرية والتصنيع والتصدير، مع اختيار القطاعات الأكثر قدرة على تحقيق قيمة مضافة.


وبذلك، يمكن أن تتحول صناعة الألماس المعملي من مجرد بديل للألماس الطبيعي في قطاع المجوهرات إلى فرصة لبناء صناعة تصديرية قائمة على التكنولوجيا والمعرفة، وتوليد قيمة مضافة ونقد أجنبي من مورد لا يأتي من باطن الأرض، وإنما من القدرة على التصنيع والابتكار.

تم نسخ الرابط