صندوق النقد يعود من جديد.. ماذا تريد مصر؟ وماذا يريد الصندوق؟
لم تمر ساعات أو أيام إلا ونسمع عن مفاوضات بين الدولة وصندوق النقد الدولي، سواء للحصول على شريحة تمويل جديدة أو استكمال المراجعات الدورية للبرنامج.
ومع كل ظهور للصندوق، تتجدد مخاوف الشارع المصري، إذ ارتبط اسمه لدى كثيرين بارتفاع الأسعار والإجراءات الاقتصادية الصعبة، حتى أصبح بالنسبة للبعض كابوسًا ينعكس على جيوب المواطنين.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن التعاون مع الصندوق يأتي في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي، وكان أحدث تطور في هذا الملف التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة الجديدة، تمهيدًا لصرف شريحة بقيمة 1.6 مليار دولار بعد موافقة المجلس التنفيذي.
وهنا انقسمت آراء الاقتصاديين، فبينما اعتبر البعض الاتفاق رسالة ثقة جديدة في الاقتصاد المصري، رأى آخرون أنه قد يحمل إجراءات اقتصادية جديدة.
وبين هذا وذاك، تبرز عدة تساؤلات: ما قيمة القروض التي حصلت عليها مصر؟ وكيف يتم سدادها؟ وما أبرز ملامح قرارات صندوق النقد الأخيرة؟.. هذا ما نستعرضه في السطور التالية.
برنامج بـ8 مليارات دولار.. أين وصلت مصر؟
بدأت مصر برنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي في نهاية عام 2022 بقيمة 3 مليارات دولار، قبل أن يوافق الصندوق في مارس 2024 على رفع قيمة البرنامج إلى 8 مليارات دولار، لمساندة الاقتصاد المصري في مواجهة تداعيات نقص النقد الأجنبي وارتفاع معدلات التضخم والضغوط الاقتصادية العالمية.
شرائح تمويلية من صندوق النقد الدولة
ومنذ إطلاق البرنامج، حصلت مصر على عدة شرائح تمويلية عقب اجتياز المراجعات الدورية، ليصل إجمالي ما تم صرفه حتى الآن إلى نحو 5.9 مليار دولار، فيما يتبقى نحو 2.1 مليار دولار سيتم صرفها على مراحل، وفقًا لنتائج المراجعات المقبلة واعتماد المجلس التنفيذي لصندوق النقد. وتترقب مصر حاليًا الحصول على شريحة جديدة بقيمة 1.6 مليار دولار بعد الاتفاق الأخير على مستوى الخبراء.
هاني جنينة: التمويل ليس الهدف.. والإنتاج هو الحل
أكد الخبير الاقتصادي، هاني جنينة، أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد وسيلة للحصول على تمويل خارجي، وإنما باعتباره إطارًا للإصلاح الاقتصادي وتحسين بيئة الاستثمار.
وأضاف الخبير الاقتصادي في تصريح خاص لـ"بلدنا اليوم"، أن وجود برنامج مع الصندوق يعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، وهو ما ينعكس على تدفقات الاستثمار وتكلفة الاقتراض.
وأضاف جنينة أن الاقتصاد المصري يمتلك فرصًا كبيرة للنمو إذا تم توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعة والزراعة والتصدير، مؤكدًا أن زيادة الإنتاج المحلي هي الوسيلة الأكثر استدامة لخفض التضخم وتحسين قيمة العملة وتوفير فرص العمل.
ويرى هاني جنينة، أن المرحلة المقبلة تتطلب إزالة العقبات أمام المستثمرين، وتبسيط الإجراءات، وتحقيق منافسة عادلة بين القطاعين العام والخاص، لأن نجاح الإصلاحات لن يقاس بحجم القروض، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحقيق نمو يقوده القطاع الخاص ويستفيد منه المواطن.
مدحت نافع: التنفيذ هو معيار النجاح الحقيقي
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي، مدحت نافع أن موافقة صندوق النقد على استمرار البرنامج تعكس ثقة في اتجاه السياسات الاقتصادية المصرية، لكنها في الوقت نفسه تضع الحكومة أمام مسؤولية أكبر لتنفيذ ما تعهدت به خلال الفترة المقبلة.
وأكد نافع أن الأسواق الدولية لا تكتفي بإعلانات الاتفاقات، بل تراقب مدى الالتزام بتنفيذ الإصلاحات، خاصة ما يتعلق ببرنامج الطروحات الحكومية، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وتحسين كفاءة إدارة الأصول العامة، وهي ملفات يوليها المستثمرون اهتمامًا كبيرًا.
تحسين التصنيف الائتماني لمصر
وأضاف الخبير الاقتصادي في تصريحات خاصة، أن نجاح البرنامج سيؤدي إلى تحسين التصنيف الائتماني لمصر، وخفض تكلفة التمويل، وزيادة قدرة الاقتصاد على جذب استثمارات أجنبية مباشرة، وهو ما ينعكس في النهاية على معدلات النمو والتشغيل، ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية.
وأشار إلى أن برنامج الإصلاح الاقتصادي حقق نتائج إيجابية على مستوى المؤشرات الكلية، سواء من حيث استقرار سوق الصرف، أو ارتفاع الاحتياطي النقدي، أو تحسن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
رؤية صندوق النقد.. إشادة مع استمرار المطالب بالإصلاح
أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد المصري أظهر قدرة على الصمود رغم التوترات الإقليمية والاقتصادية العالمية، مدعومًا بإجراءات الإصلاح المالي والنقدي التي اتخذتها الحكومة خلال الفترة الماضية.
وفي المقابل، شدد الصندوق على أهمية مواصلة الإصلاحات الهيكلية، وفي مقدمتها الحفاظ على مرونة سعر الصرف، وتسريع برنامج الطروحات الحكومية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار بما يحقق نموًا اقتصاديًا أكثر استدامة.