أوائل الأزهر ينتظرون حلم التعيين.. 10 دفعات عالقة بين وعود الجامعة وتحركات البرلمان
يفيق على مكالمات لا تنتهي، يقضي يومه بين تلقي الشكاوى والاستفسارات، ثم يخلد إلى النوم على رنين الهاتف ذاته الذي يطارده حتى في أحلامه.
هكذا أصبحت حياة أحمد عرفات، أحد أوائل جامعة الأزهر الشريف، الذي اضطر إلى ترك حلمه الأكاديمي والعمل في مجال "الكول سنتر" بإحدى شركات الاتصالات، حتى يتمكن من مواصلة حياته. وبين وعود تتجدد ومماطلات لا تنتهي، ظل حلمه معلقًا، لا يعرف متى يرى النور.
قصة أحمد ليست استثناءً، بل تمثل واقع آلاف الطلاب المتفوقين الذين تخرجوا في كليات جامعة الأزهر خلال الفترة من 2016 إلى 2025، بعدما توقفت حركة تعيين المعيدين، لتتحول القضية إلى أحد أبرز الملفات التي تشغل الرأي العام داخل الجامعة، خاصة مع تصاعد المطالبات البرلمانية والإدارية بضرورة إنهاء الأزمة، وعودة العمل بآلية تعيين الأوائل التي اعتادت عليها الجامعة.
أزمة بدأت منذ 2015
يُعد تعيين أوائل الخريجين في وظائف المعيدين أحد الأعراف الأكاديمية الراسخة داخل الجامعات المصرية، إذ يهدف إلى الحفاظ على الكفاءات العلمية، وإعداد كوادر قادرة على استكمال مسيرة البحث العلمي والتدريس.
لكن في جامعة الأزهر، توقفت حركة التعيينات بعد دفعة 2015، لتبدأ أزمة امتدت لسنوات، تراكمت خلالها دفعات جديدة من الأوائل دون صدور قرارات تعيين، رغم استيفائهم جميع الشروط العلمية والقانونية.
ومع مرور الوقت، لم تعد الأزمة تخص دفعة أو دفعتين، بل امتدت إلى ما يقرب من عشر دفعات متتالية، وهو ما خلق حالة من القلق بين الخريجين، خاصة أن كثيرًا منهم رفضوا فرص عمل أخرى انتظارًا لتحقيق حلم العمل الأكاديمي داخل الجامعة.
ويرى عدد من الخريجين أن سنوات الانتظار لم تؤثر فقط على مستقبلهم الوظيفي، بل انعكست أيضًا على مسيرتهم العلمية، حيث اضطر بعضهم إلى الابتعاد عن المجال الأكاديمي، بينما اتجه آخرون إلى العمل في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، في حين سافر عدد منهم إلى الخارج بحثًا عن فرص أفضل.
تحرك رسمي لإنهاء الأزمة
في المقابل، أكد الدكتور سلامة داوود، رئيس جامعة الأزهر، في تصريحات سابقة، أن الجامعة تقدمت بطلب إلى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة لتوفير الدرجات المالية اللازمة لتعيين أوائل الكليات بالقاهرة والأقاليم، مشيرًا إلى أنه سيتم فتح باب التعيين بمجرد الانتهاء من توفير هذه الدرجات.
وأوضح رئيس الجامعة، في تصريحات صحفية سابقة، أن الملف شهد تطورًا مهمًا بعد اجتماع عُقد بمكتب فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، بحضور المهندس حاتم نبيل، رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، حيث جرى استعراض احتياجات الجامعة من درجات تعيين المعيدين.
وأشار إلى أن آخر دفعة جرى تعيينها كانت دفعة 2015، وهو ما أدى إلى تراكم أعداد كبيرة من المستحقين للتعيين خلال السنوات التالية.
وكشف رئيس الجامعة أن رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة وافق على توفير 35 ألف درجة لتعيين المعيدين بمختلف كليات الجامعة على خمس مراحل، تبدأ من دفعة 2016 وحتى آخر دفعة تخرجت من الجامعة، مؤكدًا أن فتح باب التعيين سيكون بعد استكمال الموافقات اللازمة من الجهات المختصة.
كما وصف رئيس جامعة الأزهر أزمة تعيين المعيدين بأنها مشكلة متراكمة منذ سنوات، ترجع بالأساس إلى عدم توفير الدرجات المالية اللازمة.
البرلمان يدخل على الخط لإنقاذ الأوائل
ومع استمرار انتظار الخريجين، دخل مجلس النواب على خط الأزمة، حيث تقدمت النائبة سارة النحاس بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ورئيس جامعة الأزهر، ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، بشأن توقف حركة التعيينات داخل كليات الجامعة.
وأكدت النائبة أن جامعة الأزهر شهدت توقفًا شبه تام في تعيين المعيدين، رغم الأعراف المستقرة التي تقضي بتعيين أوائل الخريجين في هذه الوظائف، الأمر الذي أدى إلى تراكم نحو عشر دفعات كاملة خلال الفترة من 2016 إلى 2025.
وأوضحت أن جميع هؤلاء الخريجين استوفوا الشروط العلمية والقانونية اللازمة للتعيين، إلا أنهم ما زالوا ينتظرون صدور القرارات الرسمية.
وأضافت أن استمرار هذا الوضع يمثل إخلالًا بمبدأ تكافؤ الفرص، ويثير العديد من التساؤلات حول مصير الدرجات المالية المخصصة للتعيينات، فضلًا عن تخوفات الخريجين من تغيير آلية تعيين الأوائل التي ظلت معمولًا بها لسنوات طويلة.
وطالبت الحكومة بسرعة الكشف عن أسباب تعطيل التعيينات، والإعلان عن موقف الدرجات المالية، ووضع جدول زمني واضح وملزم لتعيين جميع الدفعات المتراكمة، مع الحفاظ على آلية تعيين الأوائل بما يضمن حقوق آلاف المتفوقين.
سنوات من الانتظار.. معاناة خلف الأرقام
ورغم أن القضية تبدو في ظاهرها ملفًا إداريًا يتعلق بالدرجات المالية، فإنها بالنسبة للخريجين تمثل سنوات طويلة من الانتظار وعدم وضوح الرؤية.
فالكثير من أوائل الكليات كانوا يخططون لاستكمال الدراسات العليا والعمل داخل الجامعة، لكن تأخر التعيين أجبرهم على تغيير خططهم.
ولجأ بعضهم إلى العمل في القطاع الخاص، بينما اتجه آخرون إلى التدريس في معاهد أو مدارس، في حين اضطر عدد منهم إلى السفر خارج البلاد بحثًا عن فرصة تتناسب مع مؤهلاتهم.
ويؤكد عدد من الخريجين أن أصعب ما واجهوه خلال السنوات الماضية لم يكن فقط تأخر التعيين، وإنما غياب جدول زمني واضح يحدد موعد إنهاء الأزمة، الأمر الذي جعلهم يعيشون حالة من الترقب المستمر.
حلم مؤجل.. انتظار أوائل الأزهر
قال أحد أوائل إحدى كليات جامعة الأزهر، فضل عدم ذكر اسمه، إنه تخرج بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وكان ينتظر قرار تعيينه معيدًا بعد أشهر قليلة من التخرج، إلا أن السنوات مرت دون جديد.
وأضاف أن حلمه كان استكمال الدراسات العليا والعمل في التدريس والبحث العلمي، لكنه اضطر في النهاية إلى العمل في مجال بعيد عن تخصصه لتوفير مصدر دخل.
وأكد أن أكثر ما يتمناه هو صدور قرار ينهي سنوات الانتظار، ويمنح المستحقين فرصة لخدمة جامعتهم.
خسارة للجامعة قبل الخريج
أما سارة، إحدى الخريجات الأوائل، فتؤكد أنها حصلت على ترتيب متقدم داخل كليتها، وكانت تستعد لاستكمال رحلتها الأكاديمية، إلا أن تأخر التعيين دفعها إلى قبول فرصة عمل خارج المجال الجامعي.
وقالت إن استمرار الأزمة لا يضر الخريجين فقط، بل يحرم الجامعة من كوادر علمية شابة جرى إعدادها على مدار سنوات.
الهجرة خيار اضطراري
ويروي خريج آخر أن سنوات الانتظار دفعته إلى السفر خارج مصر للعمل، بعدما فقد الأمل في صدور قرارات التعيين خلال فترة قريبة.
وأشار إلى أنه كان يفضل البقاء داخل جامعة الأزهر، لكنه لم يكن يستطيع انتظار سنوات أخرى دون مصدر دخل أو مستقبل واضح.
بين الوعود والانتظار
ورغم التفاؤل الذي أحدثته تصريحات رئيس جامعة الأزهر بشأن توفير 35 ألف درجة على خمس مراحل، فإن الخريجين ما زالوا يترقبون ترجمة هذه التصريحات إلى قرارات تنفيذية، خاصة بعد سنوات طويلة من الانتظار.
كما أن التحرك البرلماني الأخير أعاد القضية إلى دائرة الاهتمام، وسط مطالب بوجود جدول زمني معلن يحدد مواعيد تعيين كل دفعة، بما يضمن الشفافية ويضع حدًا لحالة القلق التي يعيشها آلاف الخريجين.
وفي ظل هذه التطورات، تبقى الأنظار متجهة إلى الجهات المعنية، انتظارًا لبدء تنفيذ خطة التعيينات، وإنهاء واحدة من أكثر القضايا التي شغلت أوائل جامعة الأزهر خلال العقد الأخير، ليظل السؤال قائمًا: هل تتحول الوعود إلى قرارات تنهي سنوات الانتظار، أم يبقى حلم التعيين مؤجلًا؟