صالح المسعودي يكتب: الغزو والجهاد والتوسيق
كان العرب قبل الإسلام بين حضارات منها الآشورية والبابلية والفرعونية هذا بالنسبة للحضارات المجاورة لهم على الأقل وعلى الرغم من ذلك لم يكن للعرب حضارة توحدهم في شبه جزيرة العرب فعاشوا على ( الكر والفر ) معظم مناطقهم وكان ( الغزو ) هو أهم السبل للسيطرة على ( المراعي ) التي هي إحدى أسباب الحياة فلا مهنة لهم أهم من تربية الماشية والأنعام بشكل عام ،وبالإضافة للسيطرة على المراعي كان أيضاً ( الغزو ) طريق سهل للسيطرة على الممالك المتناثرة ( إن صح لنا وصفها بالممالك )
ثم يُبعث ( محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم صلى الله عليه وسلم ) في مكة المكرمة قبلة العرب قبل الإسلام فتتغير حياة العرب ليوحدهم هذا الدين تحت رايته ،وبما أن الإسلام أتى على أصحاب قوة وبأس وأهل مروءة فقد أضافت لهم العقيدة قوة روحية غير مسبوقة فاتحدت قوة العقيدة لديهم مع قوة وشدة بأس ورثوها ليغير الإسلام منهجية حياتهم من غزو بعضهم بعضا إلى الجهاد في سبيل الله ففتحوا البلاد من ( الصين شرقا إلى الاندلس غربا )
لكن وما أدراك ما لكن ؟ لكن العرب وبعد وفاة ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) انتابتهم النعرات القديمة فقبل أن يدفن رسولنا الكريم كادت أن تثار الفتن لولا أن الله سبحانه وتعالى قيض لهذه الأمة ( الخلفاء الراشدون ) الذين أبطأوا تقدم النعرات القبلية والعصبية البغيضة التي قال عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( دعوها فإنها منتنة )
ولكن أمور العرب صارت بعد ضعف دولتي بني أمية ، وبني العباس وعدم وجود الردع الديني والحكمي ( عادت ريمة لعادتها القديمة ) كما يقال في أمثالنا الشعبية ، نعم عاد العرب لجاهليتهم القديمة بالعودة للغزو الذي استبدله الإسلام الحنيف ( بالجهاد في سبيل الله ) ، عاد السطو المسلح ، عاد الغزو، عاد الكر والفر ولكن بشكل أقل بكثير من قبل الدعوة ( لكنه عاد ) مع ضعاف النفوس للصراع على البقاء بسبب القحط الذي أصاب الضمائر قبل أن يصيب الأرض ( وحتى وقت قريب ) للدرجة التي تجعل البعض من الأجداد الذين مازالوا على قيد الحياة يتذكرون تلك المآسي التي ألمت بالأمة بعد فقد هويتها الدينية قبل الأخلاقية
ثم ساد العرف ( الذي تم استبدال الشريعة الغراء به ) وكان في وجهة نظر البعض وأنا منهم ( أفضل من لا شيء يحكم ) فبعد ترك الناس منهاج السماء وأصبحت الجزيرة العربية بل ( بلاد العرب ) جميعاً تحت وطأة الاحتلالات المختلفة بعدما قسموا البلاد العربية على المستعمرين لم تكن هناك فرصة لحكم الشريعة الاسلامية ) لأنهم أتوا في الأساس للقضاء عليها ، لكن كما أسلفنا كان العرف هو البديل ، فساد العرف وهو بتفسير مبسط ( ما تعارف عليه الناس وثبت في وجدانهم فترة ليست بالقصيرة واتخذوا من قوانينه رادعاً لكل من تسول له نفسه الخروج عن النسق العام لمجتمع البادية على الأقل )
وكان من ضمن هذا العرف قانون ( التوسيق أو التوثيق ) وهو بكل اختصار ( عند ( عدم ) الخصم ( اللي لا يخط عرب ولا يوفي في طلب ) أو ( البايق ) أو الكفيل اللي ما يوفي بعد كل الحيل القانونية ( من قوانين العرف ) يتم ( توسيق إبله ) في حينه أو راحلته حالياً أيا كان نوعها ( وهو احتجاز هذه الراحلة ( إن كانت إبل أو حتى سيارة في وقتنا الحالي ) ، ولكن لهذا الاحتجاز أو التوسيق شروط ليست بالهينة فلم يترك ( المشرع العرفي ) الأمر على عوانيه بل جعل كل تصرف تحت طائلة قوانين صارمة وبشروط محددة
الشرط الأول : أن يستنفد صاحب الحق كل أنواع الطرق القانونية العرفية في المطالبة بحقه ويكون كل طريقة مما استوجبها القانون العرفي عليها شهود عدول بداية من ( الشفة واللفة حتى البيت اللي طلع له الحق فيه والكفيل البارك للحق ومستوجبات ذلك حسب قوانينها الخاصة حتى ثبوت الحق الذي لا نقض ولا إبرام فيه ، فإذا استنفد كل الطرق الممشية كان له أن يقوم بعملية ( التوسيق أو التوثيق )
الشرط الثاني : هو في عملية ( التوسيق أو التوثيق ) فعلى من قام بالتوسيق أن يودعها في أقرب بيت يقابله أو ديرة عرب يقابلها لحين السداد ( بكل أنواع الإحترام ) فإذا ما قام الغريم بالسداد عادت له ( الموسوقة ) كما هي وبكل كرامة ، وهنا وجب التوضيح أنه على الذي قام ( بالتوسيق عدم تخطي أول بيت لثاني بيت أو أول ديرة لثاني ديرة . لأن الأمر هنا ليس المقصود منه التشهير بالشخص بل إجباره على دفع الحق .
وهذا أمر يطول شرحه ولكني أردت أن أعمل على تبسيطه وباللهجة التي يدار بها
وأنا هنا لابد من أن أعتذر لحضراتكم على الإطالة في وصف موضوع ( التوسيق أو التوثيق ) لأنه أمر هام وأنتشر بشكل فج خارج نطاق القانون العرفي الذي جعله أحد روادعه ، فأصبح ما يحدث الآن ليس من العرف في شيء ، فتجد عند أي نزاع بسيط بين شخصين من قبيلتين مختلفتين ( قد يكون الاختلاف بسبب أمور لا يرتضيها العرف أو الدين ) إلا أن أحدهم يتخير أي شخص من القبيلة الأخرى ويترك ( غريمه ) ليقطع الطريق على أي شخص ( غافل ) وليس طرف في أي مشكلة ( لينزله من سيارته حتى لو كان معه أهله وأطفاله غير عابئ بصرخات الصغار أو حقوق المرأة التي أنزلها بالقوة وينطلق بالسيارة تحت التهديد والوعيد ، وعن وجهة نظري في هذا الموضوع فهذا ( قطع طريق ) وفي الشريعة الإسلامية يستوجب ( حد الحرابة ) لكبر جرم ما اقترف أما بعرفنا الآن فإني أهيب بشيوخ وعواقل أهل سيناء بشكل خاص أن يهبوا هبة رجل واحد ليسطروا تاريخاً جديدا بردع كل من تسول له نفسه بالخروج عن النسق العام والأعراف التي تربى عليها الجميع والتي جعلت الاحترام بين القبائل يستمر لعقود وعقود، فالجميع يعلم أهمية موقع سيناء بالنسبة للوطن الكبير مصر العظيمة ، والجميع يعلم أن عدونا يتنمى أن تعم الفوضى فينا ، لكنني على ثقة بأن أهل سيناء الشرفاء الذين فدوها بأرواحهم سيسطرون قوانين رادعة تعيد الأمن والاستقرار لربوع سيناء الحبيبة
دمتم أحبتي بخير وأمن وأمان