العراق واليمن ولبنان.. تحركات حلفاء إيران تضع الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة من التصعيد
يرى الدكتور علاء السعيد، الخبير السياسي أن عدم توصل إيران والولايات المتحدة الأمريكية إلى اتفاق لا يعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة في اليوم التالي، لكنه يضع المنطقة أمام مرحلة شديدة الخطورة عنوانها "التصعيد المحسوب"، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه عبر الضغوط العسكرية والأمنية والاقتصادية، دون أن يمتلك أي منهما القدرة الكاملة على التحكم في النتائج النهائية لهذا التصعيد.
وأوضح أن إيران تدرك جيدًا أن الدخول في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ستكون كلفته مرتفعة للغاية، ولذلك فمن المرجح أن تعود إلى سياسة توزيع الضغوط على أكثر من ساحة، فيما يُعرف بـ"وحدة الساحات"، بحيث لا تتحمل طهران وحدها أعباء المواجهة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش يسمح لها بإنكار إصدار أوامر مباشرة لحلفائها، بحيث ينفذون عملياتهم دون إعلان ارتباطها المباشر بالقيادة الإيرانية.
وأشار إلى أن ما يُعرف بمحور المقاومة قد يعود إلى الواجهة، ولكن بصيغة مختلفة عن المراحل السابقة، في ظل الضغوط العسكرية والسياسية والداخلية التي تواجه حلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن، وهو ما يجعل قدرتهم على التحرك متفاوتة من ساحة إلى أخرى.
العراق
وفيما يتعلق بالعراق، أكد أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في عودة الفصائل المسلحة إلى سياسة الضغط التدريجي على الوجود والمصالح الأمريكية، وليس الذهاب مباشرة إلى مواجهة مفتوحة. وقد يبدأ ذلك عبر رسائل سياسية وإعلامية، ثم تنفيذ عمليات محدودة ضد قواعد أو منشآت أمريكية أو مرتبطة بالقوات الأمريكية، باستخدام الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، مع تبنيها من قبل جماعات غير معروفة أو عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عنها، بهدف تجنب تحميل الفصائل أو الحكومة العراقية المسؤولية المباشرة.
وأضاف أن العراق سيظل الساحة الأكثر حساسية، حيث ستجد الحكومة العراقية نفسها بين ضغوط الفصائل التي ترى أن أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي على إيران يستوجب الرد، وضغوط الولايات المتحدة والقوات الدولية التي قد تحمل بغداد مسؤولية أي عمليات تنطلق من أراضيها. لذلك، لا يتوقع مشاركة جميع الفصائل العراقية في المواجهة بنفس الدرجة، بل قد يظهر انقسام بين أطراف تدفع نحو التصعيد وأخرى تفضل الحفاظ على نفوذها السياسي والاقتصادي داخل العراق بدلًا من الانخراط في حرب غير مضمونة النتائج.
اليمن
أما في اليمن، فأوضح أن جماعة الحوثي تمتلك قدرة مؤثرة على حركة التجارة والملاحة الدولية، ما يجعل البحر الأحمر ومضيق باب المندب من أبرز أوراق الضغط التي يمكن استخدامها في حال تجدد التصعيد. وقد تلجأ الجماعة إلى استهداف سفن مرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل، أو تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف بعيدة، بما فيها إسرائيل، مع تقديم تلك العمليات باعتبارها دعمًا لغزة أو ردًا على استهداف إيران.
وأكد أن الساحة اليمنية تمنح إيران ميزة مهمة، لأن الضغط المنطلق منها لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى التأثير في الاقتصاد العالمي، سواء من خلال أسعار النفط أو الشحن أو التأمين. ومع ذلك، استبعد أن يبدأ الحوثيون منذ اللحظة الأولى في تصعيد واسع، إدراكًا منهم أن ذلك قد يستدعي ضربات أمريكية وإسرائيلية قوية تهدد مكاسبهم السياسية والعسكرية داخل اليمن، ولذلك يُرجح أن يكون تحركهم تدريجيًا ويتوسع وفقًا لمسار المواجهة وحجم الضربات التي قد تتعرض لها إيران.
لبنان
وفي لبنان، وصف الوضع بأنه أكثر تعقيدًا، موضحًا أن حزب الله لا يزال يمثل أبرز حلفاء إيران، لكنه يتحرك داخل دولة تعاني أزمات اقتصادية وسياسية عميقة، إلى جانب ضغوط داخلية وخارجية متزايدة تتعلق بسلاحه ودوره العسكري. ومن ثم، فإن قرار فتح جبهة واسعة مع إسرائيل لن يكون سهلًا، ولن يعتمد فقط على رغبة إيران، بل على حجم التهديد الذي تتعرض له طهران، وطبيعة الأهداف التي يتم استهدافها، ومدى قدرة الحزب على تحمل حرب جديدة داخل لبنان.
ورجح أنه في حال اندلاع مواجهة شاملة، سيبدأ حزب الله برفع مستوى الجهوزية وتحريك قواته بصورة غير معلنة، مع توجيه رسائل ردع سياسية وعسكرية، وربما تنفيذ عمليات محدودة إذا تعرضت إيران لضربة كبيرة، إلا أن فتح جبهة واسعة سيظل مرتبطًا بوجود تهديد وجودي للنظام الإيراني أو بمحاولات أمريكية وإسرائيلية لتغيير النظام أو تدمير القدرات الاستراتيجية الإيرانية بشكل واسع.
وأضاف أن الحزب سيحاول قدر الإمكان تجنب الظهور باعتباره الطرف الذي أشعل الحرب، خاصة أن أي مواجهة واسعة قد تُستغل داخليًا للمطالبة بنزع سلاحه، كما قد تضعه في مواجهة مع قطاعات لبنانية ترفض تحميل البلاد كلفة حرب جديدة. ولذلك، قد يعتمد في البداية على عمليات محدودة ومدروسة، مع ترك مساحة أكبر للساحتين العراقية واليمنية للتحرك.
تحرك حلفاء إيران لن يكون بالضرورة متزامنًا أو ناتجًا عن أوامر مركزية معلنة من طهران
وأشار إلى أنه في حال اشتعال المنطقة مجددًا، فإن تحرك حلفاء إيران لن يكون بالضرورة متزامنًا أو ناتجًا عن أوامر مركزية معلنة من طهران، بل سيكون أقرب إلى توزيع للأدوار، بحيث تركز الفصائل العراقية على المصالح والقوات الأمريكية، ويتولى الحوثيون الضغط على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بينما يركز حزب الله على الجبهة الشمالية لإسرائيل، بالتزامن مع تصعيد إعلامي وأمني في ساحات أخرى.
مفهوم "وحدة الساحات" لا يعني بالضرورة وحدة القرار
وأكد أن مفهوم "وحدة الساحات" لا يعني بالضرورة وحدة القرار، فلكل حليف من حلفاء إيران حساباته المحلية ومصالحه السياسية وقدرته المختلفة على تحمل الخسائر. فالحوثيون لديهم اعتبارات مرتبطة بمستقبل اليمن، والفصائل العراقية تسعى للحفاظ على نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بينما يواجه حزب الله ضغوطًا داخلية وخارجية غير مسبوقة في لبنان، وهو ما يعني أن إيران قد تطلب الدعم من حلفائها، لكنها لا تضمن تحرك الجميع بالحجم أو التوقيت نفسه.
واختتم الدكتور علاء السعيد تصريحاته بالتأكيد على أن الخطر الحقيقي يكمن في أن تبدأ المواجهة بعمليات محدودة ثم تخرج عن السيطرة، خاصة إذا سقط عدد كبير من القتلى في صفوف القوات الأمريكية، أو توسعت الضربات الإسرائيلية داخل إيران لتشمل الجسور والسكك الحديدية والبنية التحتية.
وأشار إلى أن السيناريو الأقرب يتمثل في تصعيد محسوب ومتعدد الساحات، مع بقاء احتمال اندلاع حرب إقليمية قائمًا إذا جرى تجاوز الخطوط الحمراء، أما في غير ذلك، فلا يرى أن المنطقة مقبلة على حرب شاملة في الوقت الراهن.

