لماذا لا يتحرك الدولار رغم الأزمات العالمية؟.. 6 عوامل تحافظ على استقرار الجنيه أمام العملة الأمريكية
في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب تقلبات أسواق الطاقة والتغيرات المتسارعة في السياسة النقدية العالمية، حافظ الدولار على استقراره أمام الجنيه المصري داخل مختلف البنوك الحكومية والخاصة، ليتحرك في نطاق سعري محدود يتراوح بين 51.20 و51.40 جنيهًا خلال الأسابيع الأخيرة، دون تسجيل قفزات حادة كما حدث في فترات سابقة.
استقرار ملحوظ في الدولار
ورغم هذا الاستقرار الملحوظ، لا تزال الأسواق العالمية تواجه تحديات اقتصادية متلاحقة، ما يثير تساؤلات حول أسباب صمود سوق الصرف المصرية، وما إذا كان هذا الهدوء مؤقتًا أم يستند إلى مؤشرات اقتصادية قوية تدعم استقرار الجنيه أمام العملة الأمريكية.
ويرى خبراء الاقتصاد أن استقرار سعر الدولار لا يرتبط بعامل واحد، وإنما يأتي نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والنقدية التي عززت قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات الخارجية، من بينها ارتفاع الاحتياطي النقدي، وزيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، واستمرار الإصلاحات الاقتصادية، إلى جانب السياسة النقدية التي يتبعها البنك المركزي.
احتياطي نقدي تاريخي يتجاوز 55 مليار دولار
يُعد الاحتياطي النقدي الأجنبي خط الدفاع الأول عن الاقتصاد المصري في مواجهة التقلبات العالمية، إذ يمنح الدولة قدرة أكبر على توفير العملات الأجنبية وسداد الالتزامات الخارجية، فضلًا عن تعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد.
ووفقًا لبيانات البنك المركزي المصري، ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 55.072 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، مقابل 53.134 مليار دولار بنهاية مايو، بزيادة بلغت نحو 1.94 مليار دولار خلال شهر واحد، وهو أعلى مستوى في تاريخ الاحتياطي النقدي المصري.
ويرى اقتصاديون أن هذا الارتفاع يعكس تحسن قدرة الدولة على إدارة سوق الصرف، ويحد من الضغوط على الدولار، خاصة في أوقات التقلبات العالمية.
تدفقات قوية للنقد الأجنبي
كما أسهمت التدفقات القوية للنقد الأجنبي في دعم استقرار سوق الصرف، إذ يعتمد الاقتصاد المصري على عدة مصادر رئيسية لتوفير العملة الأجنبية، تشمل تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وإيرادات السياحة، والصادرات، والاستثمار الأجنبي المباشر، واستثمارات الأجانب في أدوات الدين، إلى جانب مصادر أخرى للنقد الأجنبي.
وتصدرت تحويلات المصريين العاملين بالخارج قائمة هذه المصادر، بعدما سجلت نحو 39.2 مليار دولار خلال أول عشرة أشهر من العام المالي 2025/2026، وفقًا لأحدث بيانات البنك المركزي المصري، وهو ما وفر سيولة دولارية كبيرة داخل الجهاز المصرفي، وأسهم في تلبية احتياجات السوق.
السياسة النقدية للبنك المركزي
لعبت السياسة النقدية دورًا محوريًا في الحفاظ على استقرار سوق الصرف، بعدما قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، في اجتماعها الأخير، الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير عند 19% للإيداع و20% للإقراض، للمرة الثالثة خلال عام 2026.
ويستهدف البنك المركزي من هذه السياسة احتواء الضغوط التضخمية، والحفاظ على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه، بما يدعم استقرار سوق الصرف ويحد من الضغوط على العملة المحلية.
تراجع الضغوط التضخمية مقارنة بالفترات السابقة
ويُعد التضخم أحد أبرز المؤشرات المؤثرة في سوق الصرف، إذ يؤدي ارتفاعه إلى زيادة الضغوط على العملة المحلية، بينما يسهم تراجعه في تعزيز استقرار الأسواق.
وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري استقرار معدل التضخم السنوي عند 14.3% خلال يونيو 2026، مقارنة بـ 14.6% في مايو، وهو ما يعكس تحسنًا نسبيًا مقارنة بالمستويات التي سجلها خلال العام الماضي، ويمنح البنك المركزي مساحة أكبر للاستمرار في سياساته الرامية إلى تحقيق التوازن بين دعم النمو والسيطرة على الأسعار.
لاشين: قوة الاقتصاد المصري وراء استقرار الدولار
أكد الخبير الاقتصادي رضا لاشين أن قوة المؤشرات الاقتصادية المصرية خلال الفترة الأخيرة كانت من أبرز الأسباب التي دعمت استقرار الدولار أمام الجنيه، مشيرًا إلى أن السياسة النقدية التي انتهجها البنك المركزي، إلى جانب تراجع معدلات التضخم واستقرار أسعار الفائدة، ساهمت في تعزيز الثقة بالعملة المحلية.
وأوضح لاشين، في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن الدولار يتحرك حاليًا في نطاق يتراوح بين 51 و52 جنيهًا، متوقعًا استمرار هذا النطاق خلال الفترة المقبلة، ما لم تشهد المنطقة تطورات جيوسياسية جديدة قد تؤثر في الأسواق العالمية وسوق الصرف.
وأضاف أن أي تصعيد كبير في الأوضاع الإقليمية قد يغير التوقعات الحالية، إلا أن المشهد الاقتصادي الراهن يشير إلى قدر من الاستقرار، مدعومًا بتحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الدولار لم يعد يمثل أداة استثمارية جاذبة كما كان في فترات سابقة، موضحًا أن الاستثمار في الذهب أو العقارات قد يكون أكثر ملاءمة للراغبين في الحفاظ على قيمة مدخراتهم، بينما يرتبط الدولار في الأساس بحركة التجارة والعرض والطلب داخل الأسواق.
استمرار الإصلاحات الاقتصادية ودعم المؤسسات الدولية
واصلت الحكومة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وهو ما أسهم في تعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.
وفي نهاية يونيو 2026، أعلن صندوق النقد الدولي التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع مصر، قد يتيح صرف تمويلات جديدة تصل إلى 1.6 مليار دولار بعد استكمال الموافقات الرسمية، كما أشاد الصندوق بقدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الصدمات الخارجية، واستمرار تحقيق معدلات نمو إيجابية رغم التحديات العالمية.
ويرى مراقبون أن استمرار التعاون مع المؤسسات الدولية يعزز ثقة المستثمرين، ويدعم قدرة الدولة على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، بما ينعكس إيجابًا على سوق الصرف واستقرار الجنيه أمام الدولار.