بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

«محجوز قبل ما ينزل».. كيف يتبخر المرتب في بداية الشهر؟

شريح الراتب
شريح الراتب

ينزل المرتب في حساب الموظف، لكن سرعان ما يبدأ في التلاشي بين التزامات لا تنتظر واحتياجات أساسية لا يمكن تأجيلها، ففي بداية الشهر، يكون جزء كبير من الدخل قد توجّه بالفعل إلى الإيجار أو مصروفات السكن، وفواتير الكهرباء والمياه والغاز، والاتصالات والإنترنت، والمواصلات والطعام، فضلًا عن الأقساط والالتزامات المتراكمة.

ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، لم يعد الأمر مرتبطًا بزيادة الإنفاق أو تغيير نمط الحياة فقط، بل بات المواطن يدفع أحيانًا أكثر مقابل الاحتياجات نفسها. فمن لم يشترِ سيارة جديدة قد يدفع تكلفة أعلى للمواصلات، ومن لم ينتقل إلى منزل أفضل قد يتحمل زيادات في الإيجار والصيانة، ومن لم يغيّر نمط استهلاكه الغذائي قد يجد نفسه يدفع مبلغًا أكبر لشراء الكمية نفسها من السلع.

وهكذا، يدخل الراتب الحساب كاملًا تقريبًا، لكنه لا يظل متاحًا بالقدر نفسه؛ إذ تلتهم الالتزامات الثابتة وشبه الثابتة الجزء الأكبر منه قبل أن تبدأ الأسرة في الإنفاق على احتياجاتها المتغيرة.

الدخل الحقيقي.. الرقم الموجود في كشف المرتب ليس القصة كاملة

وأكد أحمد أشرف، الخبير الاقتصادي، أن التحدي الذي تواجهه الأسر المصرية لا يرتبط فقط بقيمة الزيادات الاسمية في الأجور، وإنما بالقوة الشرائية للدخل الحقيقي بعد احتساب أثر التضخم وتكلفة المعيشة.

وأوضح في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن ارتفاع الأجور بنسبة معينة لا يعني بالضرورة تحسن مستوى المعيشة إذا كانت الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع، موضحًا أن الحكم الحقيقي على مستوى الدخل يجب أن يكون من خلال قدرته على شراء السلع والخدمات، وليس الرقم المكتوب في كشف المرتب.

وأضاف الخبير الاقتصادي، أن المشكلة لا تتوقف عند أسعار السلع والخدمات، فجزء من دخل الأسرة أصبح مرتبطًا بالتزامات ثابتة أو شبه ثابتة، مشيرًا إلى أن الإيجار أو القسط السكني، ومصروفات التعليم، وأقساط الأجهزة والسيارات، وفواتير الخدمات، والمواصلات والاتصالات، كلها بنود يتم خصمها من الدخل قبل أن تبدأ الأسرة في التفكير في احتياجاتها المتغيرة.

الراتب المحجوز قبل أن يصل

الفارق بين هذه الأرقام هو المساحة الحقيقية التي تتحرك فيها الأسرة اقتصاديًا، لتمثل أحد أكثر المؤشرات دلالة على الضغوط الواقعة على ميزانية الأسر هو التوسع في التمويل الاستهلاكي.

وفي سياق متصل، أكد الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب، محمد فؤاد، أنه حسب بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، سجل التمويل الاستهلاكي قفزة بنحو 19 مليار جنيه خلال شهرين فقط.

وأضاف الخبير الاقتصادي، أن هذا التوسع يعكس تغيرًا في نمط الإنفاق، مع توجه المواطنين إلى الاقتراض لتمويل احتياجات استهلاكية، في وقت تراجعت فيه معدلات الادخار القومي بصورة حادة، بحسب تقديراته التي أشار فيها إلى انخفاضها من نحو 15% إلى قرابة 1%.

وأشار إلى أن هذه النقطة تكشف جانبًا مهمًا من قصة «اختفاء المرتب»: المواطن لا ينفق دخله الحالي فقط، وإنما يلتزم بجزء من دخله المستقبلي.

وأفاد: "السلعة التي يتم شراؤها اليوم بالتقسيط تتحول إلى التزام شهري يمتد لأشهر أو سنوات، ما يعني أن جزءًا من الراتب القادم يكون قد حُجز بالفعل قبل دخوله الحساب".

هل أصبح المواطن يشتري من دخله المستقبلي؟

هنا يتحول التقسيط من مجرد أداة مالية إلى مؤشر على تغير سلوك الأسر، حيث إن المواطن الذي لا يستطيع دفع ثمن جهاز أو سيارة أو أثاث نقدًا أمامه خياران: تأجيل الشراء أو توزيع التكلفة على المستقبل.

وفي ظل ارتفاع الأسعار، قد يفضل بعض المستهلكين الحصول على السلعة الآن بدلًا من الانتظار، خصوصًا إذا كانوا يتوقعون استمرار ارتفاع أسعارها.

لكن هذه المرونة لها تكلفة؛ إذ إن القسط الشهري يقلل الدخل المتاح خلال الأشهر التالية، ومع تراكم الأقساط يمكن أن تتقلص المساحة المتاحة للإنفاق والادخار.

وحذر محمد فؤاد في تصريحات أخرى من التوسع غير المنضبط في التمويل الاستهلاكي، مشيرًا إلى أن بعض شركات التمويل قد تحتاج إلى تشديد معايير الجدارة الائتمانية، في ظل مخاطر زيادة التعثر والوقوع في دائرة الديون.

"مينفعش المواطن يتحبس علشان خلاط"

هذا التعبير الذي استخدمه محمد فؤاد في حديثه عن مخاطر التمويل الاستهلاكي يلخص مفارقة مهمة: التمويل يمكن أن يساعد المواطن في الحصول على احتياجاته، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا تجاوزت الالتزامات قدرته على السداد.

من التقسيط إلى «فقاعة».. تحذير آخر

وفي السياق ذاته، أشار الخبير الاقتصادي ممدوح الولي، وتناول الظاهرة من زاوية أخرى، إلى أن البيع بالتقسيط ظاهرة قديمة في المجتمع المصري، خصوصًا في السلع المعمرة والسيارات وتجهيزات الزواج.

لكنه حذر من ارتفاع التكلفة الإجمالية للسلع عند شرائها بالتقسيط، ومن المخاطر المرتبطة بالتوسع في التمويل الاستهلاكي والالتزامات التي يتحملها المستهلك لفترات طويلة.

وتزداد أهمية هذه النقطة عندما يصبح التقسيط وسيلة للتغلب على فجوة بين الدخل وسعر السلعة، لا مجرد اختيار مالي مريح.

وأفاد إلى أن متوسط الدخل الشهري للأسرة المصرية يقدر بنحو 15 ألف جنيه، داعيًا الأسر إلى تخصيص جزء من الدخل للادخار وتكوين احتياطي للطوارئ.

لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما تصبح الضروريات نفسها تستحوذ على النسبة الأكبر من الدخل، وكلما ارتفعت تكلفة السكن والطعام والمواصلات والخدمات والأقساط، أصبحت عملية تخصيص نسبة ثابتة للادخار أكثر صعوبة.

تم نسخ الرابط